وبالرغم من أننا لا نرى مشكلة في ذلك لو ثبت حصول ذلك تاريخيًا، فإن ما يقال من المنع لأجل أن الوالي على الجيش والقائد هو مثل سعيد بن العاص فكيف يكون الحسنان تحت إمرته؟ وأن الفتوحات تلك لم تكن على المنهاج القويم في أصل بدايتها وغايتها أو في أساليبها كما أشار إليه بعض المحققين139فإنه يمكن الإجابة عن الأول بأنه لو فرض حصوله وإذن أمير المؤمنين عليّ وهو الإمام الشرعي في ذلك فلا ضير فيه ويكون بإجازته ومن تقديم الأهم - لو فرض - على المهم. ويجاب على الثاني: لو فرض حصوله بأن وجود أمثالهم يكون الغرض منه تصويب الاتجاه والغزو قدر الإمكان وبما يستطاع وهو ما فسر به مشاركة بعض أصحاب أمير المؤمنين﵇ في الفتوحات تلك ممن لا يتصور أنهم ينبعثون عن غير أمره وهم ليسوا بالقليل، وأنه لو كان الخيار بين الفساد الأكبر أو تخفيف ذلك الفساد بمقدار ما يستطاع لتم اختيار الثاني، مع أن الفتوحات لم تكن شرًّا مطلقًا وإنما كان فيها إيصال صوت الإسلام إلى سائر الشعوب وإن تخللها غايات مادية وشابها أخطاء وتجاوزات.
فنحن لا نرى مشكلة في ذلك لو فرضنا حصوله، إلا أن المشكلة كل المشكلة هي أنه لا يوجد ما يثبته بل القرائن تعارض مثل هذا الأمر، فمن ذلك:
أولا: الاختلاف الذي أشار إليه ابن الأثير في الكامل في قضية فتح طبرستان وأن فتحها هل تم في سنة 18هـ زمان عمر بن الخطاب؟ وقيل في سنة 30هـ زمان عثمان بن عفان، فإذا كان الأول فلا معنى للفتح الثاني.
وكذلك فإن الخبر يثبت أن الغزو لطبرستان كان من الكوفة، ومن المعلوم أن الإمام الحسين﵇ كان في المدينة في سنة 30 للهجرة، وأنه لم يأت إلى الكوفة إلا مع أبيه﵉ بعد الرجوع من حرب الجمل سنة 36هـ، وقبل ذلك لا يذكر أن الحسين جاء إلى الكوفة أصلاً.
ثانيا: أن العلاقة بين البيت العلوي الهاشمي وأتباع الإمام﵇ وبين الخليفة عثمان بن عفان في هذه السنة كانت سلبية للغاية بل صدامية، فإنه فيها شهد أهل الكوفة على الوليد بن عقبة أخي الخليفة عثمان من أمه أنه شرب الخمر ورفعوا أمره إلى الخليفة ولما لم يشأ الخليفة إقامة الحد عليه مع قيام الشهود عليه بذلك جلده أمير المؤمنين﵇ 140 بنفسه أو بأحد أهل بيته، على كراهة من عثمان في ذلك141.
وفي هذه السنة أيضاً تم نفي أبي ذر الغفاري إلى الربذة من قبل الخليفة عثمان، وخرج الإمام علي والحسنان وبعض شيعتهم لتشييع142 أبي ذر على رغم المنع الرسمي.
إن هذه الأجواء العالية الحدة من العلاقة بين الخلافة الرسمية وبين أمير المؤمنين ﵇ لا تسمح بأن يرسل الإمام أمير المؤمنين﵇ ابنيه الحسنين وهو الذي يقول في مثل حرب الجمل (املكوا عني هذين الغلامين لا يهدّنّي فإني أنفس بهما أن ينقطع نسل رسول الله) وهي حرب صافية الغاية والوسيلة، تحت راية إمام معصوم، ومع ذلك يخاف أن يقتلا فينقطع نسل النبي، أتراه يسمح لهما بأن يذهبا تحت راية سعيد بن العاص وهو ممن نعتوا بأنهم (إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا مال الله دولا وعباده خولا..) وفي ظل تلك الظروف التي بدأ فيها الخليفة يتواجه صراحة مع الإمام﵇؟!