ولا سيما بعد أن أخذت الأحداث اتجاها هجوميا، وتعرض بيت الزهراء﵍ لانتهاك حرمته، وأسقطت الزهراء جنينها واخرج أمير المؤمنين﵇ بالقوة للبيعة، فإن كل هذه الأحداث -بأي حجم كانت- ستشكل منشأ لموقف معارض منه لهم، حتى لو كان الأمر عاطفياً فضلاً عن الموقف المبدئي.
بل يلحظ أن الإمام الحسين﵇ قد تجاوز حدود الموقف النفسي والعاطفي إلى الاحتجاج العلني الواضح، وهذا ما دونته بعض مصادر مدرسة الخلفاء فضلا عن الامامية، فقد نقل العسقلاني، عن عبيد بن حنين قال: حدثني الحسين بن علي قال: أتيت عمر وهو يخطب على المنبر فصعدت إليه فقلت: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك، فقال عمر: لم يكن لأبي منبر وأخذني فأجلسني معه أقلب حصى بيدي فلما نزل انطلق بي إلى منزله فقال لي: من علّمك؟ قلت: والله ما علمني أحد!
ونحن نلحظ هنا أن الحدث -إذا كان قد وقع- فينبغي أن يكون عمر الإمام الحسين﵇ عشر سنوات، ويفترض أنه قد تم استقرار خلافة الخليفة الأول والثاني، ومع ذلك سجل الحسين هذا الموقف، وقد تعجب الخليفة من ذلك وأراد أن يعرف هل كان الحسين مدفوعاً من أحد وملقناً من شخص كأبيه مثلا؟ فسأله: من علّمك؟ -يعني أن تقول هذا الكلام- فقال له: ما علمني أحد!
صحيح أن الموقف العام الذي التزم به أمير المؤمنين علي﵇ وهو «قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي -ووَاللَّه لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ- ولَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً -الْتِمَاساً لأَجْرِ ذَلِكَ وفَضْلِه- وزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوه مِنْ زُخْرُفِه وزِبْرِجِه»133 كان ملزما لأتباعه وبالطبع لأبنائه في أول الناس، وأنه كان لا يريد المعارضة الصريحة التي تنتهي إلى صراع عسكري أو سياسي فتقسم المجتمع المسلم، ولكن هذ لا يمنع أن يوضح هو -أو شيعته وأبناؤه- ظلامة الإمام والاسلام. متى ما كانت الفرصة مناسبة، وقد بينا عند تحليل شخصية عبد الله بن عباس134 ابن عم الإمام هذا الجانب. ولقد كان يلحظ الإمام الحسين﵇ احتياج الخلافة ممثلة في شخصها الأول، إلى علم أبيه ومعرفته بأحكام الدين، ولولا إشارات الإمام علي﵇ وارشاداته، وحله القضايا التي عجزوا عن معرفة الصواب فيها لهلكوا. وكان هذا تطبيقا عمليا لنبل الإمام ورساليته ودرسا منه في الزهد فيما تنافسوا فيه، فإن من انتصارات المعارض أن يتخبط منافسه الحاكم في التخطيط والإفتاء وأن تضيع الحقوق على يده، إذ بإمكانه حينها أن يشير إلى الناس بانتهاكات وأخطاء الحاكم، وهذه سيرة المعارضة بين أيدينا فإنهم يفرحون بكثرة الأخطاء ويتغذون على المشاكل ويسقطون بها منافسيهم، لكن هذا الإمام النبيل الذي يرى (تراثه نهبًا) إذا وجد خللا سده، أو رأى خطأ أصلحه أو عثاراً أزاله حتى لقد أنطقهم مراراً بما بقي في سمع الدهر أن «لَوْلَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَر».135
5. هل شارك الإمام الحسين﵇ في فتوحات الخلفاء؟
كأن أول من أشار إلى ذلك هو محمد بن جرير الطبري في تاريخه، فإنه ذكر ما نصه: «حدثني عمر بن شبة قال حدثني علي بن محمد عن علي بن مجاهد136 عن حبش بن مالك قال غزا سعيد بن العاص137من الكوفة سنة ثلاثين يريد خراسان ومعه حذيفة ابن اليمان وناس من أصحاب رسول﵌ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير138، وتبعه في ذلك من جاء بعده من مؤرخي مدرسة الخلفاء.