وقد ذكرنا في موضع آخر أن أحاديث المناقب والفضائل ليس الغرض منها توزيع أوسمة وشهادات مدح في هذه الدنيا ليتفاخر بها من يملكها على غيره! وإنما الغرض الأقصى منها غرض معرفي وديني عقدي، فهي من جهة تبين المراتب الخفية عن الناس وتكشف عن (أولياء الله) الخفيين بين عباده، ومن جهة أخرى فهي تلزم الناس باتباع هؤلاء إما باعتبارهم هم الأدلاء على الله من الأوصياء والناطقون عن أحكامه ووحيه، أو في مرتبة دون ذلك فهي تمدح أشخاصا لاتباعهم أولئك وطاعتهم لهم. فإذا كانت هناك فئات مختلفة فعمار تقتله الفئة الباغية، ويعني ذلك أن الفئة التي يكون فيها هي الهادية!129
6. لفتات تربوية في تعامل النبي مع الحسين﵉: بالإضافة إلى ما سبق ذكره من إخبار النبي﵌ عن مقامات وشؤون ومراتب الإمام الحسين﵇ وما سيحدث ويجري عليه، فإن النبي أحاط ابنه الحسين﵇ برعاية دقيقة وعناية خاصة تشير من جهة إلى عمق المحبة منه له، وتعلم المسلمين بصورة عملية دروسا في تربية الأبناء، وأن مهمة الآباء لا تقتصر على إيداع نطفته في رحم أمه، وإنما تبدأ تفاصيل التربية من يوم ولادته إلى أن يستقل بنفسه صالحا نافعا لنفسه ولمجتمعه، فها هم المؤرخون يذكرون أن النبي﵌ كان قد علم حفيده الحسين النطق، وكان يحرص على مجيئه وأخيه إلى المسجد في ذلك العمر المبكر، خلافاً لما عليه الناس في زماننا حيث أن بعضهم يمنعون مجيء الأولاد حتى من أبناء التسع سنين وما دونها وما فوقها! مع أنها البيئة الطبيعية الصالحة التي ينبغي أن يتعود عليها الطفل وأن يأنس بها.
وفي الروايات أنه: ما كان يكبر النبي﵌ في العيدين إلا تكبيرة واحدة، حتى أبطأ عليه لسان الحسين﵇، فلما كان ذات يوم عيد ألبسته أمه﵍ وأرسلته مع جده، فكبر رسول الله﵌، فكبّر الحسين﵇ حين كبّر النبي﵌ سبعًا، ثم قام في الثانية فكبر النبي﵌، وكبر الحسين﵇ حين كبّر خمسًا، فجعلها رسول الله﵌ سنّةً، وثبتت السنة إلى اليوم.130
ونقل عن الإمام الحسين﵇ جانب مما أخذه عن جده المصطفى﵌؛ فقد قيل للحسين﵇: ما سمعت من رسول الله﵌؟ قال﵇: سمعته﵌ يقول: إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها، وعقلت عنه أنه يكبر فأكبر خلفه، فإذا سمع تكبيري أعاد التكبير حتى يكبر سبعا، وعلمني ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وعلمني الصلوات الخمس، سمعته﵌ يقول: من يطع الله يرفعه، ومن يخلص نيته لله يزينه، ومن يثق بما عند الله يغنه، ومن يتعزز على الله يذله131.
وفي هذا تعليم لمن شاء أن يتعلم، فإن أول نطقه﵇ بتعليم جده النبي﵌ هو التكبير، بعد الاشتراك في صلاة العيد، وتعليمه سورة التوحيد، وتعليمه الصلوات الخمس إضافة إلى تعاليم أساسية في الحياة توجه إلى الاعتناء بمعالي الأمور وتجنب سفاسفها.
7. توفي رسول الله﵌ في السنة الحادية عشر132 والحسين يخطو في السابعة، وهنا سنلاحظ أن موقف الإمام الحسين﵇ من الحدث الذي وقع، والخلافة التي تلت رسول الله﵌، كان سلبياً بشكل واضح، فهو وإن كان في عمر مبكر لكنه يدرك حجم الظلم الذي وقع على والده، ثم والدته﵉، وهو يتابع كلمات النبي في فضل أبيه على من عداه. ولذلك فما يحاول بعض مؤرخي مدرسة الخلفاء من تصويره من أن الحسنين﵉ كانا راضيين عما قامت به جماعة الخلفاء لا يصح بحال من الأحوال، بل هو مخالف للروايات التاريخية، بل ومخالف للمنطق الطبيعي للإنسان!