ثم إنني قد وجدت في حاشية كامل الزيارات لابن قولويه تعليقاً على الخبر المذكور عن الكافي، ما يلي: «الخبر خبر واحد مجهول، وكان فيه وهم، والظّاهر أنّ الأصل: (لكنه يؤتى به النَّبيّ﵌ فيضع يده في فمه فإذا مسّ إصبعه يظهر له أنّه جائع فأمر بإرضاعه، وبهذا الوجه نبت لحم الحسين -يعني بمراقبة النّبيّ﵌-)، وراوي الخبر غير معلوم، ولعلّ الزَّيّات لترديده في صحَّة اللّفظ لم يسمّ الرّاوي». ولم أتعرف على كاتب الحاشية فالنسخة الالكترونية الموجودة لدي لا يظهر عليه أسم المحشي، وعلى أي حال فالتوجيه وإن كان مناسبا للإقناع إلا أنه على خلاف ظاهر الخبر نفسه وخلاف صريح أخبار أخر، وخلاف التعليل الموجود فيها من أنه لذلك نبت لحم الحسين ودمه من لحم رسول الله!
وقد أفاد الشيخ الري شهري، بعدما نظر في الأحاديث وقسمها إلى أقسام من جهة مضمونها، فقال: «وبإمعان النظر في هذه الأحاديث نلاحظ إمكانيّة الجمع بينها، وذلك بأن نقول: إنّ النبيّ﵌ كان يغذّي سبطه وقرّة عينه بإصبعه تارة وبلسانه أخرى بسبب جفاف ثدي ابنته فاطمة عليها السّلام. مضافاً إلى ذلك فإنّه﵌ كان يلقم أبناءه لسانه ليرتووا منه، وذلك عند حدوث الجفاف العام وقلّة المياه، وصدور أمثال هذه الكرامات والمعجزات ليس بعيداً عن النبيّ﵌ من الناحية الثبوتيّة، وإن كان بحاجة إلى دليل قاطع في الجانب الإثباتي127.
5. إنه مع ولادة الإمام الحسين﵇ كما تقدم في السنة الرابعة للهجرة، فيكون قد عاصر جده المصطفى﵌ ست سنوات وأياماً، وفي خلال هذه الفترة أحاطه النبي -وأخاه- بأشكال كثيرة من العناية والاهتمام والاشارة إليه، والحديث في فضله وأخيه ومناقبهما طويل، حتى لقد ورد من طريق مدرسة الخلفاء أن النبي قال في شأنهما عشرات الأحاديث، ويرتفع هذا العدد من طريق الإمامية ليتضاعف بشكل واضح.
وسواء كان هذا أو ذاك فإنه ملفت للنظر، إذ كيف يتحدث النبي عن (طفل) بعمر سنتين أو ثلاث بكل تلك الأحاديث ويصفه بتلك الأوصاف؟ إن المقصود الأكبر من هذه الأوصاف والأحاديث هو تعيين خارطة طريق للأمة من بعد رسول الله﵌، وإلا فلا يوجد معنى مهم من تلك الأحاديث في زمانها الذي قيلت فيه، إذ مع وجود رسول الله﵌ فكل الروافد تنتهي إليه، ولكن حيث ستتفرق السبل بعده احتاج الناس إلى أدلة وعلامات ونجوم يهتدى بها، فكانت هذه الروايات والأحاديث بمثابة من يخبر الناس عن الطريق المستقيم والواضح، فالحسين: (إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة خاتمهم قائمهم) وإذا كان أحد يبحث عن طريق الجنة فـ (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).128
فالنبي﵌ بحسب ظاهر الأمر يمدح ابنيه الحسنين﵉، بينما هو في الواقع كان يخاطب المستقبل، ويعين أئمة المستقبل وقادة الدين إذا توزعت الناسَ الآراءُ والاتجاهات، يعني: أيها الناس، إذا أدركتم الحسين وقد نهض بالإمامة، فهذا إمام، وأخوه قبله إمام. فيكون نص بهذا على الإمام الحسين، وهو أبو أئمة، فيكون أيضاً نص على الأئمة من ولد الإمام الحسين﵇، وبالتالي فقد لا يكون هناك عمل فعليٌّ مطلوب من الناس أيام النبي، وإنما هو في صدد تعيين الإمامة للإمام الحسين﵇ وتمهيدها للمستقبل، أن: أيها الناس، هذا إمام، إن قام بالإمامة إمام، وإن قعد فهو إمام منصوص عليه.