أكل الحرام وأثره في النفس والدين والذرية

أكل الحرام وأثره في النفس والدين والذرية
00:00 --:--

رابعاً:
أن أكل الحرام يقسي القلب ويحيطه بالظلمة وبعدها لا يعود قادراً على تقبل الحق ولا يتأثر بأي تحذير أو وعظ ولا يتورع عن ارتكاب الجناية، وكما قال سيد الشهداء عليه السلام ضمن خطبته لجيش بن سعد : ( فقد مُلئت بطونكم من الحرام وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون ألا تسمعون).

   للأسف الشديد صار طلب اللقمة الحلال والطعام غير المشوب بالحرام من الأمور الصعبة في هذا الزمان، فتارة يكون الطعام محرم في نفسه كالميتة والدم ولحم الخنزير والمسكرات وغيرها، وتارة أخرى يكون الطعام محرماً بالعارض، كالمتنجس والمغصوب ونحوهما، وكلا النوعين منتشران بكثرة في أوساطنا، فمن الصعوبة على المؤمن التحرز عنهما واجتنابهما، وهذا يحتاج الى مقدار من الصبر والمجاهدة لأجل التوقف عند الشبهات ومقاومة المغريات فضلاً عن اجتناب المحرمات.
ولكن في المقابل فان اللقمة الحلال لها الأثر الايجابي العميق على نفسية الإنسان وتصرفاته وتوجيه ميولاته وأفكاره، وصياغة شخصيته والمساهمة في اتزانه.
   لذا نرى الشارع المقدس قد أولى هذا الأمر اهتماماً بالغاً، وأعطاه مساحة كبيرة في ساحة الأحكام والتشريعات، قال تعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ ) ، وقال تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) .

لقمة الحرام تقود لسوء العاقبة:
 
  وفي السنة المطهرة هناك كم كبير من الأحاديث والروايات التي تحرّم الطرق غير المشروعة وغير السليمة في كسب الأموال، اضافة الى الروايات التي تشدد النهي عن الأطعمة المحرمة، وقسم من الروايات التي تشير إلى اجتناب بعض الأمور سواء كانت أطعمة أو ألبسة أو عادات ونحوها والتي من شأنها التأثير على سلوك الانسان وتصرفاته.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( من أكل الحلال قام على رأسه ملك يستغفر له حتى يفرغ من أكله )
فالإنسان يعمل في حياته لتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة بطرق مختلفة، وإذا بلقمة الحرام تهدم كل ما سعى لتحقيقه.
فهل سألنا انفسنا مثلاً لو أن الله تعالى وبسبب لقمة حرام لم يقبل منا صلاتنا وهي عمود الدين، وبسبب لقمة الحرام لم يستجب لنا دعاءنا وهو المفتاح لرحمة الله ،كيف سيكون حالنا؟!
  أن لقمة الحرام كفيلة بتغير حالنا من الخير الى الشر، مما يترتب على هذا التحول سوء العاقبة نستجير بالله.
وكما ذكرنا سابقاً أن شريك بن عبد الله القاضي كان في البداية فقيهاً ورعاً، إلى أن أحضره المهدي العباسي وفرض عليه ان يقبل أحد ثلاثة أمور: إما منصب القضاء ، أو أن يكون مربياً لأطفال الخليفة، أو يأكل مرة واحدة من طعام الخليفة، فاختار أكل الطعام واعتبره أسهل من الأمرين الآخرين، فأوصى الخليفة طباخه الخاص أن يحضر الوانا مختلفة من الطعام اللذيذ، فلما أكل من ذلك الطعام قال الطبّاخ: لم يستقم شريك بعد هذا، وهكذا حدث فقد أثرت فيه تلك اللقمة الحرام حتى قَبِل العملين الآخرين القضاء وتربية الاطفال.

المال الحرام يفسد الحج والعمرة والصلاة والزيارة:

فمن المسائل حول المال الحرام وكيف أنها تردّ الدعاء والصلاة وبعض العبادات، فإن للفقهاء أحكام حولها، فمثلاً يقول الفقهاء: من طاف في طواف الحج أو طواف العمرة وعليه ثوب مغصوب أو اشترى ثوبي الطواف نقداً بمال مغصوب أو كان بعض الثمن مغصوباً ، فطوافه باطل ، وبالتالي بطلان حجه وعمرته، وكذا الحكم بالنسبة للصلاة والوضوء والأغسال الواجبة والمستحبة وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وباقي زيارات المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وغيرها من العبادات ، فإن لقمة الحرام تفسدها كما يفسد الخلُّ العسل ، فلا يجني من عمله إلا التعب والعناء .
عن أبي عبدالله عليه السلام قال: يقول إبليس لعنه الله: ما أعياني في ابن آدم فلم يعيني فيه واحدة من ثلاثة أخذ مال من غير حله، أو منعه من حقه ، أو وضعه في غير وجهه)
وفي الصور الثلاث تلك سيكون الإنسان واقعاً في الحرام وأكل السحت الذي يعد من الذنوب الكبيرة.
والمراد بالسحت أكل المال الحرام سواء بنحو الأكل والشرب،  أو بنحو اللبس والسكن وغير ذلك، أو أنه لا يصرفه ولكنه يمنع صاحبه من التصرف فيه، ففي جميع هذه الموارد يقال أنه أكل المال الحرام، كما أن المراد من أكل مال اليتيم ومال الربا، ومال السرقة، والغصب والغش والاحتيال وما شابه من أنواع التجارة والمعاملات المحرمة، حرمة جميع أنحاء التصرف فيه، لا خصوص الأكل والشرب.
والسبب في التعبير عن المال الحرام بالسحت هو أن السحت بمعنى الزوال والانعدام والمال المسحوت بمعنى المال المأخوذ، و المقطوع من جذوره ، وحيث إن المال الحرام لا بركة فيه، ولا ينتفع المتصرف به، لذا عبر عن أكل الحرام بأكل السحت وظاهر لفظ (السحت ) الشمول لجميع أقسام المال الحرام، بمعنى أن أي مال يتصرف به الإنسان بطريق غير مشروع هو من أكل السحت، فإذا منع الحقوق الواجبة عليه ولم يدفعها في مصارفها الشرعية كالزكاة والخمس والديون وحقوق الأيتام والزوجة وما شابه فقد منع المال من حقه، وإذا صرفه فيما حرم الله تعالى من المعاصي وخيانة وإضرار بالآخرين أو بذر فيه أو كنزه وبخل به ولم ينفق منه في وجوه البر فقد وضعه في غير وجهه.
   كما أن أكل مال الحرام يظهر جلياً في قبول أعمال الإنسان وعبادته وفي طهارة نسله وذريته: جاء في الحديث ( إن الرجل إذا أصاب مالاً من الحرام لم تقبل منه حج ولا عمرة ولا صلة رحم حتى أنه يفسد الفرج) ، وإذا ما فسدت عبادة الإنسان انقطعت صلته بربه وإذا ما فسد نسله وذريته سهلت سيطرة الشيطان عليه وعلى نسله وكل ذلك مما يسعد الشيطان ويوصله إلى مآربه.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة