عقوق الوالدين النسبي والروحي
كتابة الأخت الفاضلة فاطمة جعفر آل هليل
قال الله تعالى: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)([١]).
وعن الأصبغ بن نباته قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّه السلام في آخر أيامه، فقلت له: حدثني، فقال: " يا أصبغ دخلت على رسول الله في آخر أيام مرضه، فقال لي: (يا علي، أذهب إلى المسجد وقل لهم: ملعون، ملعون من عق والديه، ملعون، ملعون من أبق من مولاه، ملعون، ملعون من منع أجيره أجره). ثمّ رجعت إلى رسول لله صلّ الله عليه واله وسلم فقال لي: ارجع إليهم وقل: (يقول لكم النبي أنا وعلي أبوا هذه الأمة، أنا وعلي مولا كلّ مؤمن ومؤمنة، أنا وعلي أجيرا هذه الأمة)".
حديثنا يتناول أحد كبائر الذنوب، وهو: عقوق أحد الوالدين، أو كليهما.
العقوق في مفهومه معروف وهو القيام بشيء من الأشياء سواء كان لفظ أو فعل بقصد أذية أحد الوالدين، أو كليهما. وسيأتي الكلام عليه –إنّ شاء الله-.
قد لا نجد في الآيات الكريمة آية واضحة الدلالة فيها عنوان العقوق للوالدين، ولكن الكثير من الآيات المباركات فيها إشارات واضحة إلى حرمة هذا العمل، وإن كان بغير هذا اللفظ. فمثلًا يستفيد المفسرون من هذه الآية المباركة الّتي تتحدث بلسان عيسى بن مريم على نبينا واله الصلاة والسلام يستفيدون منها أنّ العقوق مساوًا للشقوة، والشقاء الآخروي لا معنى له إلّا المصير إلى نار جهنم.
يقول تعالى باللسان عيسى بن مريم: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)([٢])، ولم يقل بارًا بوالدي لأنّ عيسى ولد من غير أب، لكن في موضوع يحيى مثلًا قال: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا) ([٣])، فهنا يجد أبوان ليحيى فيأتي بالتثنية، وفي آية عيسى لا يوجد إلّا أم.
عبارة (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) كأن فيها تقابل بين صفتين أولهما البر والثانية الشقاء، أيّ الحاني على والدته، والثانية الجبار عليها، لا يوجد هناك وسط بحسب هذه المقابلة، فجُعل من لم يكن بارًا فهو عاق، وإذا كان عاق فهو شقي، وإذا كان شقي فهو من أهل النار (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ)([٤]) ، (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا)([٥]). وهنا جعل العاق شقي فهو في النار، فاستفيد من هذا المعنى أنّ العقوق لأحد الوالدين فضلًا عن كليهما يؤدّي إلى نار جهنم.
الأحاديث الّتي تحدثت عن الكبائر سواء من المصادر السنية أو الشيعية، اتفقت على أنّ عقوق أحد الوالدين أو عقوق كلا الوالدين هو كبيرة من الكبائر، والكبائر بطبيعة الحال مع عدم الاستغفار عنها والتوبة منها في مواضع التدارك توصل مرتكبها إلى نار جهنم، في هذا الحديث الذي ينقله الأصبغ بن نباته عن أمير المؤمنين أيضًا فيه لعن لمن عق والديه، وإن كان هنالك توجبه في التفصيل إلى جهة أخرى سوف نشير إليها –إنّ شاء الله تعالى- .
للعقوق درجات متعددة، فهو من الكبائر الّتي يمكن أنّ يشترك فيها أعضاء كثيرة للإنسان، بعض الكبائر يختصّ بها عضو واحد فمثلًا أكل مال اليتيم يختصّ به البطن عادة، والسرقة تختص بها اليد، الفرار من الزحف تختص بها الرجل، والزنا يختصّ بها فرج الإنسان وهكذا سائر الكبائر نجد أنّها عادة تختص بجارحة من الجوارح وعضو من الأعضاء. أما بالنسبة للعقوق فمن الممكن أنّ يحدث بأكثر من عضو، العين مثلاً "من نظر إلى أبويه نظرة ماقتة أكبه الله في النار"، وماقتة بمعنى الحقد والاشمئزاز، فهو من العقوق لكنه من ذنوب العين، وتارة يكون بالفم (فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) ([٦])، والنهر والكلام الفاحش وإغلاظ الصوت عليهم يتولاهم اللسان، الإيذاء البدن يتولاه اليد أو الرجل وما شابه ذلك، فهناك إمكانية أنّ يرتكب جسم الإنسان بأكثر من عضو من الأعضاء مناحٍ من العقوق وهي متدرجة كذلك. متدرجة في بعض الحالات مجرد نفخة (أف)، وهذه حتّى بدون أنّ يخرج لفظة أف يتحقّق فيها ما ورد في الحديث " لو علم الله شيء من العقوق أدنى من أف لنهى عنه"، ومن باب الأولوية لا تضربهما، لا تغضبهما، فإذا كان مجرد نفخة هواء منهي عنها فمن باب الأولى رفع الصوت غير جائز، ومن باب أولى يكون الضرب غير جائز، ومن باب أولى يكون الإيذاء غير جائز، وعلى هذا المعدل.