عقوق الوالدين النسبي والروحي

عقوق الوالدين النسبي والروحي
00:00 --:--

الآن أنت في منزلك تربي أولادك في بيئة للينة رحيمة ممّا ينتج عنه جيلًا لينًا رحيمًا هادئًا، وأحدهم يربي أولاده على الفوضى ورفع الصوت فينتج جيلًا فوضويًا عالي الصوت، هنا يحتاج الإنسان إلى التوجه إلى قوانين الحياة الصارمة قبل معرفة القوانين الإيمانية "كما تدين تدان". فأنت إما أنّ تزرع في بيتك الرحمة أو العكس وسيعود هذا الدرس عليك في كبرك، فالطفل يتعلم بالتقليد والمراقبة فقط.

هناك سؤال يطرح في موضوع العقوق وهو: كيف تسبب نفخة الهواء بقول أف الدخول إلى نار جهنم؟ كيف من الممكن أنّ نفهم الروايات الّتي ظاهرها أنّ أيّ درجة من درجات العقوق تنتهي بالعقاب الأخروي وهو نار جهنم؟ فهل من المعقل أنّ تتساوى النفخة بِـ (أف)، مع ضرب الوالدين؟

هناك جوابان، أولهما: هذه الدرجات المنخفضة من العقوق عادة تكون غير مستمرة وبدون عناد، كأن ينظر مرة واحدة لوالديه بنظرة حادة، أو مرة يتأفف فلا يعاقب بنار جهنم، لأنّ مثل هذا العمل يعتبر من الصغائر، لكن لو كان مستمر على هذا أيّ كانت سيرة حياته ينظر بحدة لولديه، يرفع صوته عليهما هنا يتغير الحكم بسبب الإصرار والاستمرار فتتحول الصغائر إلى كبائر، وإذا لم يتب عنها ولم يتدارك الأمر سيكون مصيره إلى نار جهنم، كما هو الحال في سائر الكبائر.

أمّا الجواب الثاني: فقد نقل المسألة إلى جهة أخرى كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، يقولون الاب على قسمين:

١)الاب النسبي: الذي تنعقد نطفة الإنسان منه.

٢)الاب الروحي: الذي له حقّ عليك كسيد الأنبياء محمد صلّ الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليّه السلام. الأب باللغة العربية ليس الأب النسبي فقط بلّ الأب النسبي بالإضافة إلى كلّ من جرت نعمته عليك واهتمامه بحياتك فيقال للعم بأنّه أب، ويستشهد مؤلف كتاب مفردات ألفاظ القرآن الكريم الراغب الأصفهاني يقول بأن من معنى الأب قول النبي محمد: أنا وعلي أبوا هذه الأمة. فمن خلال النبي وأمير المؤمنين جرت نعمة الله فكان رسول الله أب وكذلك علي عليّه السلام. وما نقل أيضًا أنّ الخضر عليّه السلام في ليلة قبض أمير المؤمنين عليّه السلام جاء إليه وأبنه بكلمات كان منها: لقد كنت للمؤمنين أب رحيما. حتّى أصحاب أمير المؤمنين كانوا يستخدمون هذا اللفظ من قبيل أبي الطفيل عامر الكناني يقول:

علي لنا والد ونحن له طاعة كالولد.

حين إذن لو أنّ شخص تأفف من رسول الله كانت كبيرة من الكبائر، بمجرد أنّ تتأفف من أمير المؤمنين كانت كبيرة من الكبائر، لأنّ بتأففك منهما تمقتهما ومقتهما كبيرة من الكبائر، أمّا إذا تأففت بوجه والدك النسبي تعتبر صغير من الصغائر إلّا من الاستمرار والإصرار عليها.

إذن فخلاصة الرأيين أنّ الأول يرى بأن صغائر العقوق لا تؤدّي إلى النار إلّا بالاستمرار عليها والإصرار، الرأي الثاني يرى بأن العقوق المؤدي إلى النار هو عقوق الوالد الحقيقي الروحي، وهذا ما جاء به الاصبغ من نباته عندما زار أمير المؤمنين في أواخر ساعته، حيث كان الأصبغ ابن نباته من المقربين للإمام علي عليّه السلام لأنه كان من شرطة الخميس وهم شرطة الجيش، حيث تشارطوا مع أمير المؤمنين على أنّ لا يعصوا له أمرًا ولا يفروا له من زحف، ولا يكونوا عند حدّ أوامره ومنهم الأصبغ بن نباته الذي كاد أنّ يقتل معاوية في صفين لكن معاوية فر هاربًا، فموقف الأصبغ هذا جعل من الإمام الحسن عليّه السلام يسمح للأصبغ بالدخول على الإمام في آخر ساعاته، وجاء بالرواية " يا أصبغ دخلت على رسول الله في آخر أيام مرضه، فقال لي: (يا علي، أذهب إلى المسجد وقل لهم: ملعون، ملعون من عق والديه، ملعون، ملعون من أبق من مولاه، ملعون، ملعون من منع أجيره أجره). ثمّ رجعت إلى رسول لله صلّ الله عليه واله وسلم فقال لي: ارجع إليهم وقل: (يقول لكم النبي أنا وعلي أبوا هذه الأمة، أنا وعلي مولا كلّ مؤمن ومؤمنة، أنا وعلي أجيرا هذه الأمة)".

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة