من المصاديق في العقوق ما نقله بعضهم:
كان هنالك فلاح، من بيئة متواضعة من الناحية المادية لكنه اراد أنّ يربي أبنائه تربية علمية عالية، فكان يكدح في زراعته وفلاحته حتّى يحصل على المال الذي يزود به أبنائه للدراسة، وبالفعل أحدهم تخرج وأصبح في رتبة عالية وتغيرت اوضاعه، أصبح عنده منزلة وأموال وبيت فخم وبيئة اجتماعية من أقرانه من ذوي الثروة والشخصية، والأب لا يزال على حاله في مزرعته وثيابه وحالته الاجتماعية وهكذا. وهذا الولد لم يكن يرغب بالذهاب إلى مكان ابيه وقريته لأنه يراها عار عليه، لكن الاب إذا اشتاق إلى ابنه يأتي إليه وعادة الآباء هم أكثر حنان وشفقة على الأبناء، في يوم من الايام دعا هذا الولد مجموعة من أقرانه من أصحاب المناصب والجاه والثروة إلى منزله، في هذه الاثناء كان والده قد أتى إلى زيارة في وقت خروج الضيوف لتغسيل أيديهم بعد الطعام، حينها تجاهل الولد اباه القادم بلباس الزراعة قدر الإمكان حتّى لا يخجله أمّام اقرانه، فعندما أتى وسلم على أبنه استنكف ان يقول هذا والدي، بلّ قال لأصحابه بأن هذا خادم عندنا يعمل بالزراعة.
مثل هذا وإن كان لم يصل لمرحلة الضرب أو الأذى اليدوي، إلّا أنّه يحوي مرحلة شديدة من الجرح النفسي للأب الذي لم تصل إلى ما أنت عليه اليوم إلّا بفضله وبعمله وبعرق جبينه ولولاه لكنت الآن دون هذا المستوى كثيرًا، وكثير ما يحدث مثل عند المساء الغير متأدبات بآداب الدين فترى بأنها أفضل من أمها أو تتجاهل من والدتها حتّى لا يلحقها العار لأنّ والدتها لا تعرف للموضة أو غيرها. وهذا أيضًا يدخل ضمن العقوق. الإنسان العاقل يفتخر بأمه وأبيه، ولولا هذه الثياب الرثة والخلقة للفلاح لم تستطع أنت أيه الأبن أنت تبني هذا المنزل وتصل إلى ما وصلت إليه من هذا العلم والمعرفة وهذا المنصب. ولولا هذه الأم الّتي ربت هذه الأبنة لم تصل إلى ما وصلت إليه اليوم من قوة الشخصية. ونحن نرى تراثنا الإسلامي وافتخار قادتنا بإبائهم، علي عليّه السلام يقول: " وانا ابن أبي طالب" وهذا دلالة عل الفخر، ورسول الله صلّ الله عليه وآله وسلم يقول: " انا ابن الفواطم من قريش"، الإمام الحسين عليّه السلام يقول: " يأبى الله لنا ذلك وحجور طابت وطهرت". إذا رأيت أحدًا يتنكر فضل أحد والديه أو كليهما فاعلم ألا خير فيه، أنت لم تصلت إلّى ما أنت عليه اليوم إلّا بعمل ابيك خطئه وصوابه كذلك، لو لم ليكن أبيك يربي وينفق عليك لكنت نسيا منسيا، فقد حافظا عليك من الألم ومن المرض، لربما لو أهملا لحظة واحدة لكنت ذهبت في طي النسيان. وأنفقا علي كلّ ما يملكان وهذا من الأمور العظيمة المسكوت عنها لأنّ أبائنا –جزاهم الله خيرا- لإنكارهم ذواتهم لا يذكروا هذا تجاه أولادهم، لو أجرينا عملية حسابية لجمع كلّ ما أنفق الوالدين على ابنهم البالغ اليوم ثلاثين عامًا منذ انعقاد نطفته إلى أنّ شب عوده لظاها ذلك الثلاثة ملايين، في بعض الدول يتوجب عليك بعد لدراسة المجانية العمل لدى الدول فترة من الزمن وإلا تدفع مبلغ ضخم لتسدد للدولة دين تدريسك، فكم صرف الأب والأم على أبنائهم؟ ليس ماديًا فقط بلّ حتى جسديًا، هذا من الناحية الجارية فقط. حقًا يتعجب الإنسان كيف يعامل والده إذا بلغ أرذل العمر يرميه في دار العجزة وينسى فضله عليه؟.
يذكر لي أحد الأحبه هنا في المركز في سيهات يقولون: هنا بعض الأشخاص اللذين يحضرون أباءهم أو أمهاتهم وينسون أنهم على قيد الحياة، يتركونه أشهر وسنوات ونحاول التواصل معهم دون أي فائدة (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) ([٧]) عندما يصل أحدهم أو كلاهما لمرحلة الكبر حينها قد وصلا للوقت الذي يتوجب عليك رعايتهما يقوم البعض بالتخلي عنهما، نعم قد يضطر البعض لوضع آبائهم لدى المراكز الصحية المتخصصة لينالوا العناية الطبية هناك، لكن يبقى متابع لحالة والديه ومتتبع لها، هكذا حال الدنيا اليوم تفعل هكذا بأبيك غدًا يفعل بك ذات الشيء. يقال بأن هنالك شخص شاب يضرب والده كبير السن وسط الشارع، فأتاه الناي ينهوه عن فعله وضربه لأبيه، فنهرهم الأب قائلًا: اتركوه، فأنا قبل سنين وقفت في ذات المكان وضربت أبي فيه.