جاء جماعة فقالوا له أنت تقتل الناس، بينما وزرائك ومستشاروك على ديانة عيسى بن مريم؟ كانوا يمارسون التقية إذ كانوا يتعبدون بالطريقة المسيحية ويتظاهرون بخلاف ذلك، وقضية التقية يمارسها الناس في حياتهم وليست دينية فقط، ولكن العقل السليم يقتضي ذلك، " قَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ " لم يقل له أحد بأن يكتم إيمانه، ولكن طبيعة الوضع أما يترك دينه، أو يُقتل أو يمارس هذا الأسلوب لكي يعيش بتدينه وإيمانه. هؤلاء كانوا مثله، فلما شكّ في هذا الأمر أمر بتجريدهم عن أماكنهم، وأعطاهم فرصة للتفكير بأنه سيسافر وإذا رجع وهم على ما هم علي سيقتلون، وإذا غيروا تفكيرهم سيكرمون، وما إن خرج، حتى خرجوا فارّين بإيمانهم، فوصلوا إلى غار_هل هو في الشام أم فلسطين_، فدخلوا فيه ليحتموا في الكهف، وبدأوا يتناقشون في أمرهم، وفي الليل أُلقي عليهم النوم (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا) (ولبثوا في كهفهم..) هو الفرق بين السنة الشمسية والقمرية، ف٣٠٠ سنة هي ٣٣٠١ يوم تقريباً، وهذه السنوات لو قسمتها على عدد الأيام تكون تسع سنوات وشيء، وهنا اختلاف بين السنوات الشمسية والقمرية، فتكون بحساب ٣٠٠، وبحساب آخر ٣٠٩.
فبقى الفتية في الكهف، ورجع هذا السلطان الجائر وفتش عنه فلم يجدهم، فقالوا له يُحتمل أنهم اختبؤوا في الكهف، فقال أغلقوا عليهم الكهف ليكون عقوبة لهم على بقائهم على دينهم، وإذا لم يأكلوا ولم يشربوا سيموتوا في هذا الكهف وسيكون قبرهم.
الله سبحانه وتعالى أبقاهم تلك الفترة: " وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا " الوصيد: هو فناء البيت والساحة الأمامية له.
فبقى الفتية طول هذه الفترة وهي حالة إعجازية، ثم بُعثوا (تم إحيائهم من جديد)؛ لتتجلى قدرة الله على بعث الخلائق، ولكي يكون تجربةً في انتصار الإيمان.
وهنا يُطرح سؤال: إن بعض الروايات الواردة تقول بأن رأس الحسين عليه السلام تكلم في الكوفة وفي الشام، وفي الكوفة كان يتلو آية " أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا" بعض من سمع قال: رأسك يابن رسول الله أعجب.
بناءً على هذه الروايات: لماذا تم اختيار هذه الآية من القرآن الكريم؟ لماذا لم تختر سورة الفاتحة وهي أم القرآن، لما لم تُختر سورة التوحيد وهي تعدل ثلث القرآن؟ أو آية الشهداء: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ "
وجوه المشابهة بين رأس الحسين وأصحاب الكهف:
لعل هناك وجوه من المشابهة بين القصتين يكون مبررا لاختيار هذه الآية، فيلاحظ أن:
١.الموضوع غيبي بحت، فلا يوجد رأس ينفصل عن الجسد لمدة أيام يتكلم إلا بطريقة غيبية؛ ذلك لأن النطق والإبصار من الفعاليات التي ترتبط بالروح، وإذا انفصلت الروح عن الجسد، ينقطع كل شيء، فلا يكون البدن قادراً على الحركة والسمع والنطق وغيرها إلا ضمن الإطار الطبيعي والعادي، فوجود رأس مفصول عن البدن يتكلم، هذا أمر غيبي لا تفسير له غير هذا الأمر، وهذا من وجوه المشابهة بين قضية أهل الكهف، والقضية الحسينية.
فقضية أهل الكهف هي الإعجاز في بقائهم هذه المدة ثم بعثهم من جديد، وهذا درس غيبي؛ لإن البقاء ٣٠٠ سنة من دون غذاء وشراب يعرض الإنسان للانتهاء، فأقصى ما يحتمل أن يكون الإنسان بلا طعام ٢٥ يوم، فبعض الناس في هذه الحالات يخفض فيها البدن استهلاكه للطاقة، وأقصاها لمدة ٢٥ يوما، فكيف يبقى ٣٠٠ سنة؟!
بقي هؤلاء يمارسون حياتهم الطبيعية من التنفس وهم نائمون دون ري وسقاية وطعام، وكذلك كلبهم معهم، فهذه قضية غيبية بالكامل، مثل كلام الحسين وهو مفصول عن بدنه.
١.نفس التجربة والقضية، فخلاصة قصة أهل الكهف أنهم فئة قليلة من المؤمنين، وإذا احتفظت بالإيمان ستُقتل، وصمدت ولم تستسلم وإنما تركوا المناصب والدنيا وفرّوا بدينهم ضمن إطار الاحتفاظ بالإيمان في مواجهة هذا الجبار الظالم، وكذلك الحال بقضية كربلاء، إن الحسين وأهل بيته فئة قليلة، بالقياس مع دولة بأكملها، فالجيش ٣٠٠ ألف، ولكن الدولة بأكملها وراء الحسين، ويتحرك والي مكة في نفس الإطار، ووالي الكوفة كذلك، وأمير البصرة يأتي لهذا الغرض، وكذا الشامè فكل البلد في وجه الحسين بالإضافة للجيش، والغرض هو تنازل الحسين، ومع ذلك لم يتنازل ونال الشهادة.
٢.في النتيجة في قضية أصحاب الكهف، تحول الكهف إلى مسجد ومرقد، وظهر حقهم حيث أن أصحابهم أقاموا عليهم مسجدا، "قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا "، وكذلك بالنسبة للحسين على المستويين القريب والبعيد، ففي عصر العباسي لم يكن مر على استشهاد الحسين قرنين إلا وكانت الناس تعتبر قبر الحسين محجة وتزوره، مما جعل المتوكل يحرث قبر الحسين ويعاقب كل مايزوره بسبب العدد الهائل الذي كان يزور الحسين وبالذات في النصف من شعبان، فتحول قبر الحسين لمشهد، بالإضافة للثورات في الكوفة وغيرها.