الشجرة الملعونة ورؤى الأنبياء
تفريغ نصي الفاضلة ليلى أم أحمد ياسر
(وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا )
هذه الآية المباركة من سورة الإسراء تأتي في سياق الحديث مع رسول الله صلى الله عليه وآله لكي تهدئ خاطره وتطمئن باله عن إن قسماً من الناس لن يهتدو إلى طريق الحق والفضيلة وأن هذا ليس بسبب أن النبي صلى الله عليه وآله مقصرٌ في الإرشاد وإنما لأن طبيعة المجتمع الإنساني بعدما كان أفراده يمتلكون الإرادة والإختيار فمنهم من يؤمن ومنهم من يكفر ، ومنهم من يرى أقل آية من الآيات فيؤمن على أثرها ومنهم من يرى أعضم الآيات فلا يغير فيه شيئا ، والله سبحانه وتعالى قد أحاط بالناس جميعاً .
وهنا قد يتبادر سؤال إلى أذهان بعض الناس وهو أنه (ولحل هذه النزاعات التي تحدث في الأمة الإسلامية) لماذا لم يأت القرآن بنص واضح وصريح يقطع الألسنة ،في موضوع الإمامة مثلاً؟!
وأن يكون هناك نصٌ على إمامة الإمام علي عليه السلام بمواد قانونية صريحة وواضحة ولا مجال فيها للتفسير والتأويل فتنتهي المشكلة عند ذلك ؟!
لقد طرح مثل هذا السؤال في زمان الأنبياء ، أنه لماذا لا يبعث الله مع الأنبياء آيات معجزة قوية بحيث أن كل من يراها من الناس يتأثر بها فوراً؟!
ويقول الله تعالى أيضاً في آية أخرى (لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة )لماذا لايكون ذلك بالفرض التكويني ؟ و كما جعل الناس تمشي على رجلين لماذا لايجعل الناس كلها على اتجاه واحد لا ينحرف يميناً ولا شمالاً ؟! إنه لو كان الأمر كذلك فلا معنى عندئذٍ للثواب والعقاب ولا معنى لإرسال الرسل ولا معنى للفتنة ولا معنى لاختيار الإنسان ولا معنى حتى للحياة أصلاً ، وما الداعي لخلق هذه الحياة لو كانت بهذه الطريقة؟!! لا حاجة للرسل والأوصياء ، ولا حاجة للجهاد في سبيل العقيدة ولا حاجة للتفكير في سبيل المبدأ و التحليل للأمور ويتعطل الدور الإنساني ككل .
لقد أجاب الله تعالى عن مثل هذا السؤال في القرآن وذلك في الآيات التي تسبق هذه الآية التي يخبر الله فيها أنه قد أرسل رسلاً بآيات ، ولكن كذب بها الأولون ، وخوَّف بالآيات ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) ولكن هناك قسمٌ آمن وقسمٌ بقي على جحوده .
فهذا أيضاً ينطبق على هذه الآية (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) فهذه الإحاطة من الله تعالى وعدم إجبار الناس على طريقة معينة تجعل بعض الناس يختار طريق الهدى والبعض يختار طريق الغواية.. (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) وهذه الرؤيا هي أن الله تعالى أخبر نبيه في رؤياه ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين) وهذا قبل صلح الحديبية.
فالرسول صلى الله عليه وآله أخبر المسلمين وقال إن الله تعالى وعدني أننا ندخل محلقين مقصرين آمنين ومنتصرين ولما صار صلح الحديبية وبعد هذه الرؤيا وصار الإتفاق أن يرجع المسلمون وأن لايدخلو مكة ، انقسم المسلمون إلى قسمين قسم من المشككين جاءو إلى رسول الله ،فقالو ألست رسول الله ؟ قال بلى ، فقالو أولم تقل أن ربك وعدك أن تدخل مكة؟ فقال بلى ، فقالو فكيف ذلك وأنت تأمرنا بالرجوع إلى المدينة؟
فقال صلى الله عليه وآله أنني قلت لكم أننا سندخل مكة ولكنني لم أقل لكم أن ذلك في هذا العام،فالله قد قال ( لتدخلن المسجد الحرام ) ولكنه لم يقل أن هذا يكون في هذا العام.. فقسم من المسلمين شكك في ذلك ، وقسم آخر قالو إننا نأتمن رسول الله على خبر السماء وعلى سائر العبادات ، أفلا نأتمنه على أمر دخولنا إلى مكة؟!! فنحن نصدق هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله.. وهذه الرؤيا التي ذكرها الله في القرآن إنما هي فتنة واختبار لأولائك المسلمين ، ( وما جعلنا الرؤيا إلا فتنة للناس والشجرة) أي أنه كذلك الشجرة الملعونة في القرآن ما جعلناها إلا فتنة ويبين ذلك حرف العطف الواو في قوله ( و الشجرة) ولم ينبغي تكرارها في هذه الآية ، ذلك أن البلاغة في القرآن تقتضي عدم التكرار، ولا ينبغي أيضاً أن يجعل العبارتين بجانب بعضهما ،فتكون ما جعلنا الرؤيا ألا فتنة وما جعلنا الشجرة إلا فتنة ،فذلك يخل بأسلوب القرآن البلاغي ، ولذلك قال ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ) الشجرة الملعونة هي أيضاً رآها رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه. والرؤى في المنام قد تكون من الأنبياء ، وقد تكون من عامة الناس ، ولكلٍ أحكامه . تحدث القرآن أن هناك من الأنبياء من قد رأى رؤيا وقد تحققت هذه الرؤيا ، مثل رؤيا نبي الله إبراهيم ( قال يابني إني أرى في المنام أن أذبحك فانظر ماذ ترى قال يا أبت افعل ما ترى ( ستجدني إن شاء الله من الصابرين )