وأبرَّ واتقى وأكرم وأشد خوفًا منه) . أي أنها سلام الله عليها لم تكذب ولم تخن ولم تعصي ولم تخالف له أمرًا وكانت لا تكلفه بما لا يطيق . لكن في زماننا الحالي نلاحظ أن كثير من حالات الطلاق التي تحدث في مجتمعاتنا هي على أثر مخالفات كلامية أو – العياذ بالله – خيانات زوجية أو عصيان للأوامر أو المعاشرة من غير المعروف أو أن أحد الطرفين يكلف الآخر بما لا يطيق ، ومثال على ذلك : أن يكلف الزوج زوجته أن تضع كل حسابها المالي في حسابه الشخصي ، وهذا أمر غير جائز شرعًا اذا كان عن غير رضى منها وعن غير طيب نفس ، فهذا يخلق مشاكل تؤدي في كثير من الأحيان الى وقوع حالة الطلاق . وقد
يكون العكس ، فالزوجة تكلفه مالا يطيق ، بأن تطلب منه أموالاً حتى تتزين وتلبس ثوبًا جديدًا في كل مناسبة ، حتى قال أحدهم : أني اذا لم ألبي رغبات زوجتي في مثل هذه الحالة تتنكد حياتنا ! وللأسف هذه الزوجة غير مستوعبة أن هذا الأمر يُعكرُ الحياة الزوجية . هل أوجب الله عليك أيتها المرأة لبس ثوب جديد والذهاب الى الحفلات ، وعلى أثره يذهب نصف أو ربع راتب الزوج ؟! يُذكر في الرواية أنَّ أمير المؤمنين جاء ذات يوم الى منزله ، فقال لفاطمة : يافاطمة هل عندك شيء فتطعمينا ؟ فقالت : لا والله لا يوجد شيء ..)(١٠) فقال لها أمير المؤمنين : (أخرج وآتي لكِ ماتريدين) .. امير المؤمنين في ذلك اليوم لم يكن لديه مال
، فخرج واقترض درهمًا لكييي يشتري به طعامًا لِأهله ، وفي طريقه وجد المقداد بن الأسود الكندي ، فقال له أمير المؤمنين : يامقداد مالذي أخرجك في هذا الوقت ؟! – وكان الوقت وقت الظهيرة – فقال المقداد : خرجت لبعض شأني ، فقال له أمير المؤمنين : أصدقني القول: فقال المقداد : ذهبت الى البيت ولم أجد فيه شيئًا ، فخرجت ألتمس الرزق) (١١) فقال له الامام علي : (هذا الدرهم لك خذه ) فذهب واشترى لأهله طعامًا ، وكان يعتقد أن هذا الدرهم زائد على حاجة أمير المؤمنين .. أمَّا مَاكان من أمر أمير المؤمنين فلم يستطع أن يقترض مرة أخرى ، فرجع الى المنزل واذا به يجد رسول الله واذا بفاطمة قد استقبلت قبلتها وجلست في محراب
صلاتها ، واذا بطبق مغطى يتصاعد منه الدخان ورائحة الشواء تصدر منه ، فتعجب أمير المؤمنين ! فسأل فاطمة : من أين أتيتي بهذا الطعام ؟ فقالت : هو من عند الله يرزق من يشاء بغير حساب . فالتفت النبي (ص) الى علي وقال : (هذه نظيرة مريم بنت عمران) . نعم ، كرامة الله تأتي لهؤلاء الذين يصبرون على قلة الطعام بل يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، فالزهراء سلام الله عليها لم تخالف لأمير المؤمنين له أمرًا ، بل لم تُنكد عليه ، وهناك نوع من النساء إذا قلل زوجها مصروفها نكدت عليه وأَهَمَّته ، وأخذت تُعيره بحاله وتقارنه بغيره من الرجال ، فلتنظر هذه المرأة وأمثالها الى موقف الزهراء ، التي كانت تقول : أخبرني
رسول الله : (أن اذا جاء إليك زوجَك بشيءٍ فلا تسألي ألا أن يأتي به من نفسه) ، هذا من جهة السيدة فاطمة الزهراء . أما من جهة أمير المؤمنين عليه السلام فإنه ضَمِن لفاطمة مابعد الباب وضمنت له مادون الباب ، بل أن فاطمة كانت تتحمل أعباءًا ومسؤوليات أكثر من ذلك ، ففي الرواية بمضمونها : أن فاطمة استقت بالقربة الى أن أثر في كتفها ، وكانت تحمل القربة وتأتي بالماء من مصدره ، أي أنها تتحمل عناء الخروج من البيت وماتواجهه ، ولم تكن تأبه للألم والحرج الذي كانت تلاقيه - ولكن الذي كان يؤذيها هو خروجها بين الرجال – فقد كنست في الدار حتى دكنت ثيابها ، وخبزت حتى أسودت ثيابها ، وطحنت بالرحا حتى مَجُلت يداها