خصوم أمير المؤمنين، والظلم
بالمقابل تقول سودة بنت عمارة :
صلى الإلهُ على جسمٍ تضمّنه قبرٌ فأصبحَ فيه العدلُ مدفونا
فيقوم معاوية بإحضارها إلى الشام بعد شهادة أمير المؤمنين -عليه السلام- فيقول لها : ما كنت تقولين في صفين ؟
فقالت : يا معاوية، ما كان كلام حبرته، ولا مقال أعددته (أي أنه مجرد كلام عابر قلته في ذلك الوقت من وحي الساعة، وليس مقطوعة حتى أظل أردده). وكان غرضها إنهاء الموضوع.
فقال عمر بن العاص : أنا أحفظه جيدًا، كأني بها قد وقفت بين الصفين على ذلك الجمل الأحمر، وهي تهدر كما يهدر الفحل (يعبر عن قوة خطابها، وتسلسل كلامها) وهي تحرض أبناء قومها، وتنشد شعرًا.
فقال معاوية : يا سودة، قد شركت عليًا في كل دم.
فضحكت، وقالت : مثلك من سر جليسه، بشرك الله بخير، إذا كنت مشاركة علي بن أبي طالب في جهوده هذا شيء طيب، وحسن.
فقال لها : ما حاجتك ؟
فقالت : إن الوالي يظلمنا، يؤذينا، يضايقنا فإما عزلته فحمدناك، وإلا لا فعصيناك.
فقال لها : لا، ولا كرامة.
فدمعت عيناها فقال لها معاوية : لم بكيت ؟
فقالت : تذكرت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين.
فقال لها : وما الذي أذكرك به ؟
فقالت : ذهبت إليه ذات يوم، وقد ظلمنا الوالي علينا، فوجدته يصلي في المسجد فلما شعر بي خفف من صلاته، وانفتل إلي، فقال لي : أمة الله هل لك حاجة ؟
قلت : بلى، إن الوالي علينا يظلمنا. فبكى أمير المؤمنين (وهذا وهو ليس بظالم، بل أحد ولاته الذين ظن فيهم خيرًا قد تجاوز الحدود) ورفع يديه إلى السماء، وقال : اللهم إنك تعلم أنّا لم نأمرهم بظلم عبادك. ثم أخذ رقعة وكتب فيها من فوره، بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين علي إلى فلان قد جاءتكم بينة من ربكم إذا جاءك كتابي هذا فقبض ما في يدك من عملنا، ومالنا حتى يأتي من يأخذه منك، والسلام. وأعطاني الكتاب، فسلمته للوالي، وعزل والله ما لفه بشيء، ولا أخفاه.
خاتمة
الإمام لا يتحمل أن يبقى ظالم في سدة الحكم، ولو لنصف ساعة، هذا أمير المؤمنين الذي أنصف عبيد الله بن الحر الجعفي، وهو مخالف، ومعارض، وخائن له، وبالمقابل معاوية يقوم بجلب سودة إليه في الشام لمجرد مدحها أمير المؤمنين. حقيقة يُعجز أمير المؤمنين من لحقه الناس أن يصلوا لمقامه، وغير النبي أيضًا لا يصل إليه، فهذا النموذج الذي يقدمه الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- للناس لكي يدوروا حوله لأنهم عندئذ يدورون حول الحق، ويكونون مع القرآن.