الامام علي صوت العدالة الإنسانية

الامام علي صوت العدالة الإنسانية
00:00 --:--

     عبيد الله بن الحر الجعفي، هذا يأتي ذكره في سيرة الإمام الحسين -عليه السلام- فيقال أنه كان خارج الكوفة حتى يعتزل الإمام، والجدير بالذكر أنه لم يوفق كذلك مع أمير المؤمنين -عليه السلام- ، فقد كان بمقدوره أن يكون من أصحاب علي الخلص، ولم يوفق، وكان من الممكن أن يكون من شهداء كربلاء، وكذلك لم يوفق. تقول الرواية : أنه كان من جملة جيش الإمام علي -عليه السلام- في صفين، وعندما غرَّرَ معاوية جيش أمير المؤمنين بالأموال، انحاز عبيد الله خفية في الليل إلى جيش معاوية، وعندما عاد جيش أمير المؤمنين إلى الكوفة، قيل أنه قُتل في المعركة، فقد قُتل الآلاف، وبما أنها لم يعد مع الجيش، ولم يشاهد وهو يذهب إلى جيش معاوية (لأنه ذهب خفية) ظنوا بأنه قُتل، فاعتدت زوجته عدة الوفاة ثم تزوجت. عندما سمع هذا الرجل بذلك، اشتعل غضبًا فرجع سرًا في الليل إلى الكوفة، فذهب مباشرة إلى بيت زوجته فرأى امرأة متحجبة أمامه، فقال لها : أنا عبيد الله!‍

     فقالت : حسبتك ميتًا فتزوجت، والآن لا شأن لي معك.

     بات تلك الليلة، وذهب صباحًا إلى أمير المؤمنين -عليه السلام- وهو في دكة القضاء. في منطق اليوم هذا ارتكب خيانة عظمى في ظرف عسكري، وبحسب القوانين الوضعية اليوم -في العادة- عقابه الموت. عندما وصل نزع اللثام عن وجهه، فقال له أمير المؤمنين : عبيد الله أنت ؟

     فرد : بلى.

     فقال له : الفار من إمامه، واللاجئ إلى عدو الله، وعدوه.

     فرد : نعم، ولكن هل يمنعني ذلك من عدلك يا أمير المؤمنين ؟

     فقال له : لا.

     علي بن أبي طالب ليس بشخص يمنع عنك حقك لأنك تختلف معه في المذهب، ولا لأن منطقتك تختلف عن منطقته، كلا فهذا علي. قص عبيد الله قصته فقال له : الزوجة زوجتك، والنكاح الثاني باطل، وهما غير مأثومين لأنهما لم يعلما بالخبر، ولا بد أن يتركها زوجها الثاني لأنه ليس بزوج لها شرعًا، وتعتد عنه وترجع إليك ولا تحتاج إلى عقد جديد. فقال له : جزاك الله خير. ثم رجع وأخذ زوجته، وذاك لم يقل له : أنت مخالف. فهذا أمر أمير المؤمنين -عليه السلام- في حق شخص بحسب منطق اليوم ارتكب خيانة عظمى، وظاهر عدو الإمام -عليه السلام- والآن قد أتى بنفسه إلى أمير المؤمنين، ولكن كل هذا لا يمنعه من عدل علي بن أبي طالب.

     النجاشي قوة إعلامية، تعبوية عظيمة مع أمير المؤمنين، ولكن مخالفته لشرع الله وضعته تحت الحد، وعبيد الله مخالف لأمير المؤمنين، ومعارض، ومحارب، وخائن له، ولكن يعطيه حقه، ويعدل معه. فهو القائل : القوي العزيز عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق، والضعيف الذليل عندي قوي حتى آخذ الحق له. ألسنا بحاجة إلى مثل هذا الفكر، وهذه الرؤية حتى تتحسن أوضاعنا، وحتى لا يشعر المواطن في بلاد المسلمين بأن مذهبه عائق لحصوله على حقه، وأن المنطقة التي يعيش فيها لا تنكس رايته، فتصبح بلاد المسلمة، بلاد نموذجية بمنطق العالم اليوم، ومقاييسه، وبمنطق القيم الإسلامية، وهذا ما يقدمه لنا مثال أمير المؤمنين -عليه السلام-.

     المواطن في بلاد المسلمين قيمته مقرونة بمقدار ما ينسجم مع سياسة حاكمه، وهذا ليس بأصل الإسلامي، فالأصل الإسلامي أن قيمة الإنسان بمقدار ما يفهم من الدين والحقائق فقد يتفق مع هذا أو يختلف معه. بالطبع الشغب، والإخلال بالنظام مرفوض، وغير مسموح به. ولكن مع الأسف في كثير من الأماكن في بلاد المسلمين، علامة المواطنة الانسجام مع حاكمه في كل التفاصيل، وإذا اختلف معه في المذهب، لم يعد مواطن صالح، وأصبح مشكوك في ولائه. في عهد علي بن أبي طالب -عليه السلام- جماعة من الخوارج يأتون إليه فيقولون له : نحن لا نحبك، ولا نصلي خلفك في جمعة، ولا في جماعة. فقال : إن ذلك لا يمنع من حقكم علينا. حتى إن كنتم لا تحبوني، ولا تصلون خلفي، ولا تعتقدون بي هذا لا يمنع أن لكم حق بألا نحجب عنكم الفيء فلكم مقدار مخصص من بيت مال المسلمين حتى إن كنت لا تحبني، ولا تؤمن بإمامتي، ولا تصلي خلفي هذا الفيء يصل لك، ولكن شريطة ألا تؤذوا المسلمين، فلا نمنعكم من مساجد الله، ولكن لا تفسدوا، ولا تثيروا الاضطرابات. أحببتموني أم كرهتموني هذا ليس بالأمر الجلل. فسلام الله على أبي الحسن أمير المؤمنين.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة