المرحلة الثالثة:
يتحول هذا الشيء إلى نطفة، ثمّ يتحول إلى مضغة، ثمّ عظام، وهذا من العجائب حقيقة، أنت عندما يعطيك أحده خزان من المياه ويطلب منك تحويل الماء إلى بيت يحتوي كامل الاثاث في داخله، ستضحك على عقله، فصناعة البيت محتاجة إلى مواد أولية، لكن في خلق الإنسان لا يوجد هذا الأمر، كلّ شيء ابتدأ بماء مهين، من الماء المهين يصنع العظام الصلبة والغضاريف متوسطة السمك بين الجلد والعظم، ومنه يخلق الجلد وهو شديد الرطوبة والطراوة، فكيف من ذات المادة يصنع العظم شديد القساوة والشفاه وهي شديد الطراوة؟ ومن ذات المادة يتكون الريق الحلو وماء العين المائل للملوحة، ويخلق منه بقية أعضاء الإنسان Pفَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ O ([١٤]). وهذا آية من آيات الله العظمى في الخلق.
المرحلة الرابعة:
P فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا O ([١٥]). الهيكل العظمي للإنسان الذي بدايته كانت نطفة ثمّ مضغة ثمّ علقة ثمّ تكون هذا الهيكل المكون من مئتين وستة عظام وعظيمات في البدن، منها الضخم كالساق ومنها القصير الصغير كالأصابع، وكل وحد منها وظيفته ودوره الّذي سيختل لو طال العظم أو قصر أو أختلف في شكله، وخلقت العظام مجوفه لا مصمده فتكون خفيفة وأقوى للإنسان وأكثر فاعلية وأداء، كذلك العظام لها قدرة لا تضاها في امتصاص الصدمات كالرخام الذي ينكسر بسقوطه، أمّا الهيكل العظمي للإنسان فهو مصمم بطريقة تسمح له بامتصاص الصدمات الكثيرة، وكذلك هو يصلح نفسه بنفسه وأكبر سيارة اليوم أو جهاز لا يستطيع إصلاح نفسه بنفسه، أمّا العظام فلو كسرت فإنها تجبر نفسها بنفسها فقط توضع على استقامة واحدة وتلحم نفسها بنفسها، Pفَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ O ([١٦]).
هذا الدم الذي يسري في عروقك ويتراوح بين أربعة إلى ستة لترات حسب اختلاف بنية بدن الإنسان، وهذا الدم يحوي على ثلاثين مليار خلية فيها معلومات عن وظائفها وماذا تصنع وكيف تتحرك، وهذا الدم وظيفته أخذ الأكسجين من الهواء الداخل في الرئتين ونقله إلى بقية أعضاء الجسم ثمّ يرجع من جديد إلى الرئتين. إذا تعطلت مسيرة الدم هذه ولم يوصل الأكسجين لبعض مناطق الجسم فإنها تموت تدريجًا –وقاكم الله من ذلك- ، هذا الدم المكون من كريات دم حمراء عندما ينجرح البدن في أيّ مكان مباشرة توجه نداء إلى كريات الدم الحمراء الأخرى والصفائح الدموية ليهبوا للمساعدة لتجلط الدم وتخثره وإلا لكان الإنسان ينزف دمه بأكمله عندما ينجرح ولو كان الجرح بسيطًا، فمن نعم الله عز وجل أنّ تهب هذه الكريات والصفائح مكونة جسر يغطي منطقة الجرح، بالرغم من معرفة هذه الخلايا والصفائح بموتها إلا أنّها تضحي لوقف نزيف الدم P هَٰذَا خَلْقُ اللَّه فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِO([١٧]).
مجموع النبضات الّتي ضخت الدم وزودت الجسم بالأكسجين لإنسان يبلغ من العمر خمسة وسبعين سنة تقريبًا تتجاوز ألفين وخمس مئة مليون دفقة ونبضه، أيّ ما يملئ خمس مئة مسبح، دون الحاجة إلى التوقف ودون أنّ تتعطل هذا بالنسبة إلى من يحسن استخدامها ويتعامل معها باعتدال، أمّا إذا استخدمت بطريقة غير صحيحة فهذا خارج الضمان.
والكلية كذلك تصفي ثلاثة ملايين ونصف ليتر في عمر الإنسان لكي يستفيد منها الدم عبر مرورها على مليون مرشح.
وهذا كله من ناحية البدن فقط، لو تصورنا أنّ الله خلقنا هياكل عظيمة فقط من دون لحم أو عضلات، سيكون نمط حياتنا مخيف وكسا الله هذه العظام باللحم لتترتب ويبدو هذا الإنسان في أجمل صورة Pفِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَO([١٨]).
وحتى الآن لم يحدث الشيء العظيم Pثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ O ([١٩]). هنا حيث ينفخ فيه الروح يتحول إلى أمر أخر مختلف عما كان عليه سابقًا، هذا الخلق الثاني المزود بالروح والعقل أصبح متكامل تمكنه للوصول إلى أعلى المراتب كمرتبة أعلى الأنبياء محمدo. وهذا بعد أنّ يترقى في الناشئات المعنوية والإيمانية ليكون أمير المؤمنين n ويصل إلى منتهى الكمال البشري.