تجلي الخالق في خلق الإنسان
كتابة الأخت الفاضلة فاطمة جعفر آل هليل
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله العظيم في كتابه الكريم: Pوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ Q ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ Q ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ O ([١]).
حديثنا يتناول اسمًا من أسماء الله عز وجل وواحدًا من تجلياته وهو اسم الخلاق والخالق، وهو اسم مشير إلى التكوين من العدم. وقد جاء في القرآن الكريم ذكر صفة الخالق والخلاق وأحسن الخالقين في مواضع متعددة، ومن المهم أنّ نتأمل في صفات الله عز وجل وفي أسمائه الحسنى حتّى نستشعر عظمته وقدرته، ونستشعر رحمته فنعبده حقّ عبادته ونشكره حقّ شكره.
الخالق يطلق على أكثر من معنى منها: ما يعادل التقدير للأشياء. وكأن من كانوا في الزمان السابق إذا أرادوا أنّ يقيسوا شيء ويقدروه في الجلد يأتون بجلد خلِق يقصونه على هذا الأساس، فالتقدير أحد معاني الخالق. غير أنّ المعنى الاشهر والأعرف والأكثر في القرآن الكريم للخالق هو: الذي يوجد من العدم بلا أدوات و بلا مواد.
عادة الإنسان يصنع الأشياء ولا يخلقها لأنه يحتاج إلى أدوات، ويكونها من مواد خام، كأن تعطيه مطاط وحديد وما شابه ذلك فيصنع سيارة مثلًا، بينما بالنسبة إلى كلمة الخلق والخالق استعملت في القرآن الكريم أكثر في الذي ينشئ من العدم، أيّ بدون مواد خام ولا بمعالجة آلة أو أدوات أيضًا وإنما كما جاء في القرآن الكريم: Pإِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُO ([٢]) ، وهنا كلمة "يقول" جاءت لتفهيم العبد فالله لا يقول للشيء كن إنّما تتعلق إرادته به.
وبعبارة أخرى: أنت الآن عندما تتصور شيء في ذهنك سيارة مثًلا، مباشرة تأتي صورة سيارة إلى ذهنك، هذه تسمى صورة ذهنية، لكن في الخارج لا يحدث شيء. الله سبحانه إذا أراد أنّ يخلق شيء في الخارج يكفي أنّ يشاء ذلك ويريده دون أنّ يحتاج إلى قول : كوني أيتها الشجرة أو كن أيها الإنسان وغيرها. ولكن حتّى نفهم كيف يخلق الله تعالى يقال لنا في ببعض التعابير: يا من أمره بين الكاف والنون، لكن فعليًا لا يتوقف أمر الله عز وجل على الكلام وإنما بمجرد تعلّق إرادته ومشيئته بشيء يكون ذلك الشيء موجودًا. نقرأ في دعاء Sيا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ الْمَكارِهِR إلى أنّ يقول Sفَهِيَ بِمَشِيَّتِكَ دُونَ قَوْلِكَ مُؤْتَمِرَةٌ، وَبِإِرادَتِكَ دُونَ نَهْيِكَ مُنْزَجِرَةٌR ([٣])، ليس بحاجة لنهي لفظي أو أمر لفظي إنّما بمشيئة وإرادة. ([٤])
نحن البشر لا نملك أيّ تواصل مع الأشياء إلّا من خلال اللسان والألفاظ، أنا لا أعرف ماذا في ذهنك إلّا إذا أخبرتني، ولا تعرف ما في ذهني إلا إذا أخبرتك بلساني. هذا بالنسبة إلى البشر أمّا بالنسبة إلى الله عز وجل يشاء الأشياء فتكون دون الحاجة إلى واسطة لفظ ليُفهم ماذا يريد، فالخالق إذن هو موجود الأشياء ومكونها من العدم لا بتوسط آلة ولا بالاستعانة بمواد خام أولية.
الله عز وجل هو الخالق بلّ هو الخلاق العليم، وقد ورد هذا اللفظ في عدد من الآيات وهو صيغة مبالغة تشير إلى كثرة مخلوقاته عددًا كأن يخلق من الحيوان الفلاني مليارات، وكثرتها تنوعًا من حيوانات وحشرات وضخام وصغار وكبار وغيرهم، ودقة في كلّ خلق خلق وكل جزء من الأجزاء لذلك يطلق عليه لفظ الخلاق مبالغة من الخلق.
أهمية معرفة معنى اسم الخالق:
أهمية معرفتنا لأسم الخالق الخلاق أنّ نتوجه إلى المخلوقات فندرك فيها عظمة الله عز وجل، وأن نتوجه إلى أنفسنا فنرى آيات الله في الأنفس Pوَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَO([٥])، وأن نتوجه إلى أنّ الله عز وجل عندما أعطانا هذا الخلق الجميل الذي وصفه على أنّه Pأَحْسَنِ تَقْوِيمٍO([٦]) والذي لما خلقه قالPفَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَO ([٧])، وأن نتوجه إلى ما خلق في أجسامنا ونحمد الله عز وجل على كلّ عطاياه، ولا يغتر احدهم فيقول صنعت كذا وأنجزت كذا، وهذا من عندي أنا ومن عرق جبيني أنا، بلّ عليه أنّ يقول كما قال سليمان n : Pهَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ O ([٨])، ومن هذا المعنى هل رأيتم أحد يجلس من النوم ويحمد الله على هذا الخلق السليم ونبض قلبه وسلامة أعضائه ويحمد الله على ذلك؟ حي يتوجه إلى كلّ نعمة من هذه النعم، قليل يحدث ذلك، نعم بعض الأحيان إذا سمع بمرض أحدهم حمد الله على سلامته، لكن المفروض أنّ يتوجه الإنسان بكل مستمر واني يتعرف إلى آلاء الله نعمائه في خلقته، لذلك القرآن الكريم يوجه الإنسان إلى هذا المعنى: Pوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍO([٩])، هذه الآية فيها إجمال لما تم تفصيله في آية أخرى وهي: P وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ Q ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍO([١٠])، في الآية هنا تفصيل حيث يشار إلى خلق النبي وأب البشر آدم الذي كان من طين ثمّ سلالته خلقت من ماء مهين أي أنّ التكاثر أصبح بهذه الطريقة الطبيعية، لا ان كلّ إنسان يخلق من طين، وفي الآية الأولى ([١١]) الّتي خص فيها كان القصد بالإنسان هناك هو آدم، أو عموم الإنسان على نحو الإجمال.