لقاء أبي حنيفة بالإمام الكاظم عليه السلام:
قبل هذه الفترة والإمام الكاظم لم يزل غلام أي كان بين السادسة عشر أو السابعة عشر كان هناك حادثة ينقلها مؤرخين سنة وشيعة، أن أبا حنيفة النعمان إمام المذهب الحنفي مر بالإمام الصادق عليه السلام بالمدينة عندما أراد الحج وقبل أن يؤذن له، رأى غلاما دون الخامسة عشر سنة فسأله مسألة فقهية وهي أين يقضي الغريب حاجته؟
لم يكن يقصد دلني على بيت الخلاء وإنما كان يريد يبين له الحدود الشرعية في هذا الجانب مما يقوم عليه ومما يكره ومما يستحب، فأجاب الإمام إجابة مفصلة أدهشت أبو حنيفة الذي كان إمام المذهب ذلك الوقت، وكان معتمد من قبل الخلافة العباسية كواحد من العلماء الكبار، فأراد أن يسأله مسألة أخرى في العقائد فسأله عن مسألة اشكالية في ذلك الوقت قال له ممن المعصية يا فتى ؟ فقال له الإمام : إن المعصية لا تخلو ان تكون من أحد أمور إما أن تكون من الله أو من العبد أو منهما معاً فإن كانت من الله فلا تكون فكيف يعاقب الله عبده على شيء لم يرتكبه وإن كانت منهما معا فكيف يعاقب الشريك الأقوى الشريك الأضعف، فثبتت ان المعصية لا تكون إلا من العبد فيعاقب عليها، فقال له أحسنت والله هذا الكلام معقول ودقيق.
هذا والإمام كان في عمر ١٥ سنة أو تزيد أو تقل، كان الإمام موسى بن جعفر عليه السلام من طليعة من استفاد وانتفع من علم أبيه الصادق عليه السلام ، وكما يقول الأئمة إنما هو علم نتوارثه كابراً عن كابر.
تحمل الإمام الكاظم عليه السلام لأعباء الإمامة أبيه الصادق:
استشهد الإمام الصادق عليه السلام سنة ١٤٨ هـ فتحمل الإمام أعباء الإمامة في جو كان مشحون بالتوتر، هذا المنصور العباسي كان قد تنمر في آخر السنوات في استئصال شأفة أهل البيت عليهم السلام، فقامت ضده عدة ثورات، فبدأ بتصفيات خصومه فملئ السجون وخاض معارك عسكرية مع الحسنيين إلى أن انتهى به الأمر بأن اغتال الإمام الصادق عليه السلام بواسطة السم، وأرسل أيضا إلى واليه في المدينة أن أنظر من أوصى اليه جعفر بن محمد وقدمه وأضرب عنقه، والإمام الصادق عليه السلام كان قد حسب لهذا الأمر حسابا فأوصى الى خمسة أشخاص، أوصى الى عبد الله الأفطح وإلى والي المدينة وأوصى إلى موسى بن جعفر وأوصى إلى زوجته حميدة وإلى أبو جعفر المنصور، فأرسل الوالي إلى المنصور العباسي أن لا سبيل إلى قتله لأنه أوصى لك ولي. لذلك التفت الامام الصادق الى هذا المعنى وأوصى الى متعددين وأعطى بذلك رمزاً إلى شيعته، فلذلك قال هشام بن سالم الجواليقي أحد أصحاب الإمام ومن المتكلمين ومن أصحاب المعرفة بالعقائد لما سمع بهذا الكلام قال سبحان الله دل على الصغير وعزل الكبير وستر الأمر الخطير فقالوا له كيف؟ فقال لهم: واضح لدينا الشيعة الامامية قطعاً لا تكون الامامة الى امرأه فاستبعدوا حميدة ولا تكون لظالم فاستبعدوا ابو جعفر المنصور ووالي المدينة فتبقى عبد الله الأفطح وموسى بن جعفر، الأكبر لو كان امام لا يضم اليه الاصغر اضافة إلى أن الأفطح وهو في عقيدة الشيعة مرتكز أن الإمام لا يكون ذا عاهة والأفطح كان به عيب خلقي أفطح الرجلين مما لا يكون من علامات الامامة.
فاستلم الإمام الكاظم الامامة في ظروف دقيقة جداً وحرجة، فمارس اتجاهها أفضل ما يكون أن تمارس.
رباطة جأش الإمام:
لقب الإمام عليه السلام بالكاظم، والبعض يتصور أن الكاظم هو الذي لا يغضب وإذا أعتدي عليه لا ينفعل وهذا صحيح ولكن ضمن اطار فردي، الكاظم شيء أعظم من هذا، الكاظم يمثل أهم دور من أدوار موسى بن جعفر وهو أن في ظروف السلطة السياسية التي تريد أن تستفز هذا الإنسان وتريد أن تحرجه وتسجنه وتطارده عليه أن لا ينفعل بل يحافظ على رباطة جأشه ويكظم غيظه ولا يُستفز ولا ينزلق.