أما الإمام السجاد عليه السلام في أغلب هذه الفترة لم يكن في وسط المدينة. كان يأتي إلى الداخل ويعود إلى مكانه في طرف المدينة في البادية. وكانوا يقولون أن يزيد أرسل أحد أشرس قادته وهو مسلم ابن عقبه المري وسمي فيما بعد تلك الحادثة بمسرف. وهذا مع كونه كبيراً في السن فقد قالوا إنه ناهز التسعين من العمر وكان يُساعد على القيام. أي أنه لم يكن قادراً على القيام والجلوس، لكنه كان شرساً. فجاء بجيش ضخم للمدينة وحاصرها ثم قاتل هؤلاء الثائرين وقتلهم وأباح المدينة ثلاثة أيام حتى قيل أنه ولد بعد تلك السنة ألف مولود لا يعرف لهم آباء. فأي شخص يرى امرأة في المدينة، كان يستطيع انتهاك عرضها. فولد ألف ولدٍ لا يعرف لهم آباء. بعضهم من أمهات كن عذراوات لم يتزوجن. وأقحم مسرف خيله في المسجد النبوي حتى بالت الخيل وراثت هناك. وارتكب فضائع كثيرة وأجبر الناس على أن يقروا على أنهم خولٌ عبيد ليزيد بن معاوية. قام باستعراضهم واحداً تلو الآخر قائلاً" "تقر بأنك عبد قن ليزيد بن معاوية إن شاء باع وإن شاء أبقى". وكان يقتل من لم يقر ويختم على من أقر مثل ما تختم الإبل وتوشم على جلدها. فكان يختم على رقاب الناس كما كانوا يصنعون بالعبيد قبل الإسلام. بعض هؤلاء الناس كانوا أبناء الصحابة أو من الصحابة أمثال جابر بن عبد الله الأنصاري الذي هرب واختفى لأنه طُلب منه أن يحضر حتى يقر على نفسه أيضاً بأنه عبد ليزيد، لا أنه يطيع ويجيب بل عبد يقر على نفسه بالعبودية وأنه يمكن ليزيد بيعه لو أراد ذلك. فهرب واختفى وقام مسرف ابن عقبة باعتقال أسرته كرهائن واشترط عليه العودة ليتم فك أسرهم. فاستشار أم سلمة فيما يصنع، فقالت له: اذهب وبايع فإنك مجبر على ذلك ومضطر اليه.
وهنا صنع الإمام زين العابدين عليه السلام خيراً في أهل المدينة بل في بني أمية أيضاً، لأن الذين نهضوا في قضية الحرة أخرجوا في البداية بني أمية الذين خافوا على نسائهم فضموهن عند علي بن الحسين عليه السلام. وقد ذكر المؤرخون أنه عددهن كان كبيراً، إذ كان في بيت الإمام وما يتبعه ما يقارب الـ ٤٠٠ منافية، أي من بني عبد مناف. وحفظهن من الاعتداء وحامى عنهن مع أنهن كن أزواج للقادة الأمويين الذين شاركوا في قتل والده الحسين عليه السلام إلا أنها أخلاق أهل البيت عليهم السلام.
ملكنا فكان العفو منا سجيةً
فلما ملكتم سال بالدم أبطح
فشتان ما كان التفاوت بيننا
وكل إناءٍ بالذي فيه ينضح
فكانت هناك القسوة والشدة والأسر والضرب والتقييد وقابلها هنا العزة والحفاظ وما شابه ذلك. وقد حفظ الأمويون للإمام زين العابدين عليه السلام هذا المعنى، أنه رجل ليس أهل للانتقام فلم يفعل بنساء الأموين ما جرى على عمته زينب سلام الله عليها من أسر وضرب وإنما حفظهن وأحسن حفظهن. لذلك عندما أتى الإمام زين العابدين بعد سيطرة مسرف ابن عقبة المري على المدينة، طُلب منه الحضور عند مسرف أو مسلم ابن عقبة. فجاء الإمام زين العابدين عليه السلام ودعا بدعوات فلما وصل إلى مسرف نهض هذا الرجل إلى الإمام واعتنقه وأجلسه وأدناه رغم أنه كان يتذمر منه. وقد سأل الإمام: "ما حاجتك؟" فقال الإمام: "ليس لي حاجة شخصية وإنما حاجتي هي أهل المدينة الذين جاورا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أوصى بهم خيراً إذ نصروه. ووضعهم الآن ما بين خائف وطريد وشريد فلو أمرت برفع هذا العرض عنهم من إقرارهم بالعبودية ليزيد بن معاوية". فأمر بذلك ومنذ تلك اللحظة انتهى هذا الأمر ببركة الإمام زين العابدين عليه السلام. فله منة على أهل المدينة بأنه أنقذ هذا الجيل من القتل أو الاستعباد والاسترقاق.