أحد أهم مؤرخي الإسلام وهو الواقدي المتوفى سنة مائتين وثمانية هجرية بعد قرنين من الزمان تقريبًا يقول ولا تزال نساء المدينة إلى يومنا هذا إذا بكين أحدًا من أمواتهن يبدأن بحمزة . فهذه السنة سنها النبي في حياته واستمرت ما يقارب سبع سنوات وسلمها ذلك الجيل إلى الجيل الذي بعده والذي بعده وهكذا إلى سنة مائتين وسبعة كما يذكرها الواقدي وهذا ينفعنا في أن التقادم في المصيبة لا يؤثر على عدم رجحان واستحباب البكاء على ذلك المصاب وإلا لكان بمجرد أن انتهت معركة أحد ودفن وبكوا عليه ثلاثة أو خمسة أو أسبوع هذا يكفي أما أن يستمر الأمر طيلة حياة النبي سبع سنوات فهذا يفيد إمضاء النبي لمثل هذا الأمر . هذا من الناحية الزمانية ثم بعد ذلك في زمان الصحابة نفس الكلام إلى زمان التابعين وأبناء التابعين إلى زمان الإمام الرضا وهذه السيرة والسنة النبوية جارية .
المثال الآخر في قضية جعفر بن أبي طالب الذي استشهد في مؤتة هو ورفاقه ابن رواحة وزيد بن حارثة والنبي بكى عليهم في المسجد ثم ذهب أيضًا إلى بيت جعفر وبكى هناك وفي المسجد قال ( على مثل جعفر فليبك الباكون ) وهذه الكلمة تعني أنها ليست خاصة بجعفر وإنما من كان مثله في الإيمان والشهادة والتضحية يستحق أن يبكى عليه .
والإمام الحسين عليه السلام يدخل قطعًا في مثل هذا بل هو متقدم في اعتقادنا على جعفر . أو تقول مثله هذا شهيد وهذا شهيد على الأقل الحسين عليه السلام معروف أنه سيد الشهداء وجعفر لم يلقب بهذا اللقب وإنما لقب حمزة في زمان رسول الله فهذا الأمر الثاني .
والأمر الثالث في خصوص الحسين عليه السلام وهذا مروي عندهم بطرق متعددة وهذه الطرق صحيحة وبعضها مفصل وبعضها مختصر .
فمن شبه المفصل ما جاء في مسند أحمد وقد صححه الألباني أن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كان متجهًا إلى صفين فمر على نينوى فالتفت وقال : صبرًا أباعبدالله صبرًا أبا عبدالله فسأله من معه مامعنى هذا الكلام فحكى لهم قصة أن الإمام الحسين عليه السلام جاء إلى بيت رسول الله والرسول كان ينظر إليه ويعجب به ويتحبب إليه . في هذه الأثناء نزل جبرائيل فقال له : يا رسول الله أتحبه ؟ قال : بلى . قال : فإن أمتك تقتله بأرضٍ يقال لها كربلاء وأعطاه تربةً من ذلك القبر .
فبعضهم نقل المقطع الخاص بالنبي (ص) وبعضهم ذكر بالإضافة إليه ما قاله الإمام أمير المؤمنين عليه السلام . فالبنسبة إلى خصوص مقطع النبي فيه ملاحظة أن النبي بكى في هذه الحالة وفي أكثر من موضع ولمني اكتفيت بموضع واحد لنتمكن من مناقشة البحث الآخر . وقد بكى في وقتٍ لم تنزل فيه المصيبة وهذا أمر حقيقة عجيب وغريب ، فأن تنزل بك مصيبة معقول أن تبكي أما أن تكون في سنة ستة هجرية أو سبعة أو ثمانية والحسين عمره ثلاث سنوات أو أربع ، يبقى أمامنا ثلاث وخمسون أو أربعٌ وخمسون سنة إلى أن تصير المصيبة فيبكي النبي (ص) من ذلك اليوم قبل أكثر من نصف قرن من الزمان يبكي ! هذا أمر غير طبيعي إلا لمن أراد أن يدعو ويسن سنةً في هذا الشأن . ففي ذلك الوقت لم لم يكن أمرًا ابتلائيًا ، فالأمر الابتلائي صار بعد خمسين سنة ، لكن يريد أن يضفي عليها مشروعيةً . وبالنسبة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام فأتباع مدرسة الخلفاء على الأقل يعتبرونه أحد الخلفاء الراشدين وأحد الصحابة الذين تعتبر أعمالهم مشرعة وقد أظهر حزنه وتفجعه وتوجعه في هذه الحادثة وفي غيرها قبل حصولها .
بل حتى على النبي (ص) صارت نياحة وصار بكاء ، إذ ينقلون عن عائشة زوجة النبي (ص) أنها قالت : لما توفي النبي (ص) قمت وجعلت ألتدم مع النساء وألتدم يعني أضرب بجمع الكف على الصدر بقوة . وليست فقط وحدها وإنما كان معها النساء ، والنساء إما سائر زوجات النبي (ص) أو الصحابيات وعند أتباع هذه المدرسة أن عمل الصحابي والصحابية من مصادر التشريع ، ليس فقط الحزن وإنما الالتدام والعزاء واللطم بجمع الكف وبقوة . فهذه وأمثالها كثير تعرض لها المرحوم الإمام عبد الحسين شرف الدين في كتابه المجالس الفاخرة وأورد عددا كبيرًا ممن بكى عليهم رسول الله (ص) من أسانيد معتبرةً عند القوم انتخبت لك منها ما فيها جهة استثنائية ولو أردنا أن نمد الحديث لكان ذلك ممكنًا .