هذا بالنسبة لأصل المشروعية أمرٌ قام به رسول الله قبل حدوثه ، فيه امتداد زمني ، وبمعونة على مثل جعفر فليبك الباكون يصير تعميم للمسألة إلى غير جعفر ولا ريب أنها تشمل الإمام الحسين عليه السلام .
ما فائدة هذه الأمور ؟
أورد فائدتين علمية واجتماعية إيرادًا سريعًا
الفائدة الأولى : من هذه المراسم والعزاءات والاجتماعات والمآتم فائدة علمية وفكرية لو فرضنا أنه في منطقة قريبة منا أربعمائة ألف إنسان وهم محافظون جدًا على قضية إحياء مآتم الحسين والحضور فيها ، لنفترض أنهم ليس جميعهم يحضرون ولا تسعين في المائة فلننزل إلى خمسين في المائة رغم أن ما نراه أن النسبة تزيد كثيرًا عن هذا . ففي الأسرة الواحدة من الذي يبقى في محرم ولياليه لا يسمع مجلسًا واحدًا على الأقل إلا أن يكون عاجز أو مريض أو مشغول جدًا فنحن سنتنازل إلى هذا المقدار فيبقى مائتين ألف إنسان من أربعمائة ألف هؤلاء يحضرون ثلاث عشرة ليلة بمعدل مجلس واحد مع أن غالب الناس في اليوم يحضرون أكثر من ذلك إما مباشرةً أو عبر التسجيلات فإذا تضرب مائتين ألف في ثلاثة عشر معنى ذلك مليونين وستمائة ألف ساعة علمية وفكرية وثقافية فيها تفسير القرآن والعقائد والأحكام والتاريخ والتهذيب ومناقشة المشاكل الاجتماعية والوعظ والإرشاد والأحكام الشرعية فهذا رقم هائل والحقيقة لو أن حكومات المسلمين التفتت إلى هذا لدعمت هذه المآتم دعمًا بلا نظير لأنها ترفع من المستوى الثقافي العام للمجتمع مجانا.
فلو أردت أن تحضر دورة زيد من الناس يقيمها مثلًا في المشاكل الزوجية ولنستثني المراكز الخيرية المنتشرة في مجتمعنا ، لكن يوجد خارج هذا الإطار تحضر عشر ساعات بسبعمائة ريال . وأنت تحضر هنا طول حياتك من الممكن سبعة آلاف أو سبع عشرة ألف ساعةً علمية لا تدفع ريالًا واحدًا . ودرس التاريخ الذي يدرسه المدرس في المدرسة لا بد أن يدفع له سبعين ريال مثلًا ، وأنا أحضر في مأتم من مآتم الحسين لا أدفع شيئًا لأن هناك من المؤمنين من يتطوع ويتبنى نشر العلم بهذه الطريقة وبالتالي هناك فوائد علمية هائلةٌ تتحقق في مجتمع المسلمين بشكل مجاني ومستمر ودائم دون تعب فلا ميزانيات ضخمة معتمدة من قبل الدول ولا عناءات ، بلا شك هي تكلف ولكن كلها جهود تطوعية وإنفاقات من أهل الخير والعمل الصالح .
وهذا يحملنا نحن الخطباء مسؤولية عظيمة وهي عندما يجلس أمامهم المئات وأكثر من ذلك ألا يضيعوا هذه الساعات بغير فائدةٍ ، فعليه أن يسعى سعيًا جادًا في أن يقدم أفضل ما عنده .
هذا التنوع الموجود في المواضيع والمستويات فأنت لست مضطرًا أن تحضر هذا المجلس إذا كنت ترى أنه دون مستواك فتذهب إلى مجلسٍ آخر فهذا النمط من الإحياء لمآتم الحسين فيه إنهاضٌ علميٌ وفكريٌ للمجتمع وفيه تقويةٌ من دون تكلفةٍ واضحةٍ على الجهات الرسمية . هذه بركات الحسين سلام الله عليه ، هذه فوائد المآتم . فأنت الآن إذا تريد أن تحسبها قل أنا الآن عمري خمسين سنة ، في هذه الخمسين كم مجلس حضرت ؟ سوف ترى شيئًا عظيمًا جدًا . هذه فائدة علمية وفكرية ،
وربما يقال أن هذه الأمور موجودة في المآتم لكن هناك نهي عن قضية النياحة والبكاء فهناك حديثٌ عن النبي أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فإذا بكيتم على الحسين فمن الممكن أن يعذب ! وهذا كفينا مؤونة الرد عليه بنفس الحديث ( وهذا الحديث غير موجود بأسانيد صحيحة عند مدرسة أهل البيت ) وعند مدرسة الخلفاء كفانا المحققون منهم ومنهم بعض الصحابة هذا الأمر فقد ذكر أنه حصل اشتباه في النقل فأول من رد هذا الحديث وهناك فائدة اجتماعية فالآن مع تباعد الأماكن والانشغالات الموجودة أصبح تلاقي الناس شيئًا ليس باليسير ، ومآتم الحسين عليه السلام توفر فرصةً بديعةً ورائعةً للناس كي يلتقوا على الأقل على مدى ثلاث عشرة ليلة في كل سنة ، فيجتمع أهل المنطقة هذا يرى ذاك ويتفقد حاله وماذا حصل له ويتعرف على أفراد جدد . فلا أنت دفعت أموال ولم تجشم نفسك عناء ولم تأخذ موعد استثنائي من أحد وإنما جئت إلى حيث يحتضنك الحسين سلام الله عليه في أماكن أقيمت باسمه ليس فيها أحد أولى من أحد فأنا وأنت على قدم المساواة فأنا أملك فيها ما تملك وأنت تملك فيها ما أملك من حق الاستفادة ، فهذه فائدة فكرية وهذه فائدة اجتماعية نتجاوز عنها لا نفصل فيها .