اكتب ! فو الله ما خرج من هنا (وأشار إلى فمه الشريف) إلا حق 》 . وقد قرر القرآن عصمته وصحة سنته بقوله تعالى : { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ }[سورة النجم ٣ - ٤] . وقوله : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [سورة الحشر ٧]فكلامه (ص) وأوامره ونواهيه كلها تنطق بالحق ومسددة بالأمر الإلهي ، في كل الظروف وفي كل الحالات ، ولا تختص بزمن دون زمن آخر ، ولا لظرف دون ظرف آخر . لذلك استغل قسم من القرشيين حالة عدم اعتقاد البعض بعصمته في كل ما يأمر أو ينهى عنه .ومن شواهد ذلك : ما حصل لأبي الدرداء لما ذهب إلى الشام ليستقر فيها ، فرأى معاوية
ابن أبي سفيان(حاكم الشام) يعمل مخالفات ، من لبس الحرير و لبس الذهب ... وغير ذلك ، فقال له : يا معاوية إن رسول الله قد نهى الرجال عن لبس الذهب والحرير، فرد عليه معاوية : أما أنا فلا أرى فيه بأساً ! .وبكلام معاوية هذا ، يجرّد النبيَّ من المضمون الإلهي لسنته ، إضافة لسياسته في منع تدوين السنة ، والذي امتد قرابة قرن من الزمان (٨٩ سنة) حتى عهد عمر بن عبد العزيز .وفي هذا الصدد سنشير لحادثتين من مصادر مدرسة الصحابة :# الحادثة الأولى / ينقلها شمس الدين الذهبي ، الحافظ والرجالي المعروف ، وهو من كبار علماء مدرسة الصحابة ، في كتاب له بعنوان (تذكرة الحفّاظ) .حيث ينقل في بدايته عن السيدة عائشة ما يلي :
يقول رأيت أبي ذات ليلة يتقلب في مضجعه ، فقلت له : ما بك ؟ قال : عندي ٥٠٠ حديث عن رسول الله ؛ وأنا أخاف أن يأخذها من بعدي من لا أثق به .فتقول عائشة : فما زال كذلك حتى إلى ساعة متأخرة من الليل ، حتى حزم أمره وقام وأشعل فيها ناراً وأحرقها بأجمعها !! . فماذا يعني هذا ؟! معناه أن صحيح البخاري ، والذي هو عمدة الكتب في مدرسة الصحابة ، يوجد فيه (لو حذفت المكررات وحذفت ما لا ينتهي إلى قال رسول الله ؛ لأن قسم منه نقل إلى الصحابة من دون نسبة إلى النبي) فإنه يبقى ٢٦٠٠ حديثاً ، يعني أنه أتلف قرابة ٢٠% من عدد أحاديث صحيح البخاري في ليلة واحدة ! .
# الحادثة الثانية : ينقلها محمد ابن سعد في كتابه (الطبقات الكبرى) الذي ألفه في سيرة الصحابة ، وهو أيضاً من أعلام مدرسة الصحابة . يقول : أن رجلاً سأل القاسم (الظاهر القاسم ابن محمد ابن أبي بكر ، وهو في زمن الإمام السجاد) أن يحدثه بحديث عن رسول الله ، فقال : لا .. الأمر عظيم وخطير . فرفض أن يحدثه ؛ لأن يقول : أن عمر ابن الخطاب بث في الناس أن يأتوه بكل حديث مكتوب عندهم عن رسول الله ، وأمهلهم شهراً لتجميع الأكتاف والجلود المنسوخة فيها الأحاديث . فلما صار الشهر ، اجتمعت عنده أحاديث كثيرة ، فأمر بأحراقها كلها !! .وقال : لا مثنات كمثنات أهل الكتاب (أي لا نريد أن نصبح مثل لليهود عندهم
الأصل والشرح عليه) ، فحسبنا كتاب الله ! . وبالإمكان مراجعة كتاب السيد مرتضى العسكري (معالم المدرستين) ، فهو كتاب قيم ومحقق ومفيد . ومن خلال ما مرّ بنا اتضح بأن منع التحديث والتدوين للسنة النبوية ، بالإضافة إلى فقدان رجالات الجيل الأول في المعارك ، أو في ظروف أخرى كتقدمهم في العمر ، أدى إلى فقدان عدد كبير من الأحاديث النبوية للأسف . ولو أردنا في هذا الإطار أن نبحث في قضية مهمة للمسلمين من تراث السنة النبوية (وهي خطب النبي في صلاة الجمعة) ، فأين تلك العدد الهائل من تلك الخطب ؟ خاصة لو علمنا أن صلاة الجمعة كانت من بداية الهجرة ، والبعض ذكر أنها فرضت قبل الهجرة بمكة . وهي خطبتان في كل صلاة (كما هو