كيف أدار النبي هذا العدد من الزوجات؟؟
لو نظرنا إلى حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أسرته وزوجاته نجد الكثير من الأمور التي تثير التساؤل حول شخصية رسول وكيف أدار هذا العدد من الزوجات ، وكيف كانت بعض الظروف على خلاف الانسجام في داخل بيت رسول الله ومع ذلك عاش رسول الله صلى الله عليه وآله مع زوجاته ولم يطلقهنّ، ولم تخرج المشاكل بينهن وبينه إلى الخارج إذ كان مسيطرًا عليها بالرغم من أنّ كلّ الظروف كانت معاكسة، على عكس ما نرى الآن من كثرة الطلاق الذي يحدث بين رجل متزوج من امرأة واحدة ، إذ أنّ الطرفين لا يتحملان بعضيهما، وإذا نظرنا إلى حياة رسول الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم نجد أنّه كان له من النساء إحدى عشر زوجة ، توفيت في حياته زوجتان وبقيت معه تسع نساء إلى آخر حياته.
لنا أن نتخيّل كيف أنّ كثرة الزيجات هو سبب الخلاف والتشاحن ، فمن له زوجة واحدة يختلف عمّن لديه تسع زوجات ، فكيف إذا كنّ في بيت واحد ذي تسع غرف ، البعض كان لديه زوجتان وكلّ واحدة منهما في بيت مستقل ومع ذلك يحدث التراشق بينهما .. فكيف إذا كان في داخل البيت الواحد عدة زوجات ، تسع نساء ذات أعمار مختلفة و من بيئات متباينة وأشكال مختلفة، أعمارهن مختلفة بين زوجة عمرها في الخمسين ،وبين أخرى أصغر بكثير، حيث كانت عائشة بنت أبي بكر على الرأي المشهور عند مدرسة الخلفاء وقت زواجها تسع سنين ، وعلى رأي آخر ستة عشر سنة ، ولهذا كان الفرق واضحًا بين خمسين وستة عشر سنة، وإن كانت المتقاربات في الأعمار أكثر انسجامًا وتواصلًا من بين المتباعدات ، إلا أنّ هؤلاء مختلفات أيضًا في البيئات ، جويرية بنت الحارث من بني المصطلق كانت من بيئة اليهود، بينما كانت مارية القبطية من مصر وكانت مسيحية ، أما البقية كنّ من بيئات عربية ، بعضهن عشن في فترات ليست بالقليلة أجواء الجاهلية قبل الإسلام ، وبعضهنّ من بيئات مقاربة من بيئة الإسلام.
نجد أنّ النساء اللاتي يكنّ من بيئات مختلفة وأعمارهن مختلفة وعادات مختلفة عادة يكون الانسجام بينهن أبطأ، وأضف إلى ذلك البعض منهن كنّ يجادلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كلامه وفي فعله وفي قضاياه ، ولن نتصوّر أنّ كل نساء النبي كنّ خاضعاتٍ تمامًا لرسول الله بل لم يكنّ كذلك ، وممّا يذكر في التاريخ أنّ بعض النساء كسرت صحون نساء أخريات ، حيث أنّ إحدى نساء رسول الله أهدت اليه صحن عصيدة في يوم أخرى فقامت هذه المرأة التي كانت ليلتها بكسر الصحن في الأرض.
وكان البعض منهنّ يجادل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث نزلت في إحدى النساء الآية المباركة (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء....)٢
مع كل مناشىء الاختلاف والنزاع وعدم الانسجام إلاّ أنّ رسول الله أدار أسرته إدارة رائعة.
هل كلّ نساء النبي أفضل نساء المسلمات بناءً على حديث القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ؟؟
كان النبي يسعى لتحقيق مشاعر زوجاته :
أشار القرآن الكريم إلى رسول الله وحسن إدارته لأسرته قال تعالى (تبتغي مرضات أزواجك ..)٣، النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يريد أنّ يحقّق الرضا والانسجام في داخل بيته وهنا نشير إلى نوعين من الناس :
أحدهما يتصرّف بمنتهى الأنانية دون أن يأبه بمشاعر الزوجة فتراه يدخن أو يسهر دون الالتفات لمشاعر زوجته، ضاربًا بها عرض الحائط.
أما الآخر يتمثّل خطى رسول الله ويعتبر أنّ الحياة الزوجية شراكة بين الزوجين وبالتالي يحقّق الاحترام بينهما ، نرى رسول الله مع أنه سيد الخلق وأفضل البشر ، وهو أولى بهنّ من أنفسهن ومع ذلك يقول من أجل تحقيق الرضا والانسجام في البيت لابدّ من التنازل ، يذكر التاريخ تلك القضية المعروفة التي لها أكثر من سبب نزول وما ذكروه في ليلة أنّ النبي صلى الله عليه وآله أهدت إليه مارية وقيل إحدى زوجاته شربة عسل وكان يعجبه العسل وهو محببٌ إليه ، فغارت بعض نسائه من ذلك واتفقن عندما يأتي رسول الله يقولون له إنّنا نشمّ منك رائحة (مغافير) ( يعني أنّ هذا العسل فيه رائحة منفرة ، بينما كان صلى الله عليه وآله ينفر من الروائح الغير حسنة فكان معطرًا ذاتيًا من الداخل والخارج ، فلما جاء النبي ودخل عليهن وضعت كلّ واحدة منهن يدها على أنفها .قال لهن ماذا حصل خيرًا قالوا : نشم منك رائحة مغافير رائحة غير طيبة ( وهذه الرائحة تكون من النحل إذا حطّ على نوع ٌمن أنواع الورد من شجر ( العرفط ) له رائحة خبيثة ) ، فأراد النبي أن يحرّم على نفسه شرب العسل حتى لا يشمّ منه رائحة سيئة فنزلت الآية الكريمة ( يا أيّها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ازواجك. .) ، رسول الله في هذا الموقف غير ملزم بهذا المقدار من التضحية والتنازل والعطاء والتسامح، لكنه كان مستعدًا أن يحرّم على نفسه الأكل الذي يحبّه لكي لا يحدث النفور بين زوجاته والتوتر في علاقته بأسرته.
البعض من الرجال عندما يلحظ تقصيرًا ولو ضئيلًا على سبيل المثال التقصير في الأكل يقلب الدنيا على رأس زوجته.
بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحرص على أن يدير هذه المجموعة الكبيرة من الزوجات المتباينات بحيث يحقّق لهنّ رضاهن ، إذ أنّ الرضا علامة من علامات نجاح الأسرة ، فالزوج راض عن زوجته وهي راضية عنه، ولا يوجد رضا نهائي ولكنّه ينظر للإيجابيات أكثر من النظر للسلبيات وبالتالي يكون راضيًا رضًا نسبيًا، فلن ترى جمالًا مثاليًا كالحور العين وجمال يوسف ، ولن تلقى امرأة كالزهراء عليها السلام في حسن التبعّل ، ولن تحصل على العطاء كعطاء حاتم الطائي،
إذن لابدّ للطرفين أن يلاحظ جملةً من الأمور خيرها أكثر من شرّها وهذا الرجل خيره أكثر من شره ، والدنيا لا توفّر أكثر من هذا كحد أقصى
هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتوفر له الرضا عن زوجاته كما رضي عن خديجة عليها السلام.
اذا استطعنا أن ندير أسرنا بهذا النحو الذي دار به رسول الله زوجاته حيث يتحرّى الرجل مرضاة زوجته ، وتتحرّى المرأة رضا زوجها ، وأصبح كلًا منهما يتغاضى عن سيئات الآخر، حينئذٍ تستقر الحياة الأسرية وتستمر ولا تواجه أيّ مشكلةٍ تعرّضها للطلاق.
أما إن كان كلًا منهما متطلّبًا ولا يقدّم التنازلات عندئذ يواجهان المشاكل ويصلان إلى مرحلة الطلاق.