تصور فتاة عمرها ثمانية عشر عاماً ولدبها أربعة من الأبناء، وهي عزيزة أبيها إلى تلك الدرجة التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وآله ما قال، ولتوها فقدت أباها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي لا تزال تعيش آلام المصيبة، فالشاب ربما خلال شهر من الزمان إذا فقد أباه عادة يتجاوز الحالة العاطفية الشديدة، وينتقل منها إلى الحالة العملية وممارسة الحياة، لكن المراة يصعب عليها ذلك إلى ثلاثة أو أربعة أشهر وأكثر من ذلك فلا تستطيع أن تخرج من هذه الحالة.
فاطمة الزهراء (ع) فقدت اباً ليس أي أب، وإنما ابٌ كرسول الله صلى الله عليه وآله وهي في هذه الأثناء أيضاً حامل مقرب فبعض الباحثين يتوقع أن يكون المحسن الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله بالمحسن قبل مجيئه.
إذن هي امرأة حامل، ثاكل، مصابة بأبيها، وامرأة ايضاً حرمت شيئاً من حق كان قد أُخذ منها - فدك كانت بيدها- وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: ( بلى كانت في أيدينا فدك ) واليد عند الفقهاء علامة الملك، وهب رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة فدكاً في السنة السابعة للهجرة وبالتالي اصبحت في يدها مدة ثلاث سنوات وأشهر إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وآله، ولهذا هي في البداية أقامت بتخطئة الخلافة إذ أقامت شهوداً على ملكيتها، مع أن اليد علامة على الملكية، فلما لم يقبل جهاز الحكم بذلك، سلكت طريقاً آخر ( يسألونك عن الانفال قل الانفال لله وللرسول)[٣] إذن هذه تكون ملكاً لرسول الله صلى الله عليه وآله فاذا توفي عنها رسول الله صلى الله عليه وآله تصبح ميراثا لأهله، فأنا الوارثة الوحيدة الباقية على قيد الحياة من أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وبناته.
فأخذ منها الخليفة ما ورثته، فاجتمع عليها فقد الأب وكونها ثاكل به وهي حامل وسلب حقها ايضاً، وفوق ذلك اقتحمت دارها وأسقط جنينها، كل هذه الظروف تجتمع لكي تجعل هذه المصيبة ساخنة شديدة التأثير.
بنور فاطمة اهتديت:
أحد الذين انتهجوا منهج اهل البيت عليهم السلام كتب كتاباً اسمه (بنور فاطمة اهتديت) وهو للكاتب عبدالمنعم حسن، انقل بعضاً من كلماته:
يقول: ما كنت في وادي الحديث والاهتمام بقضية المذاهب ولا أعرف شيئا عنها إلى أن سمعت تسجيلاً لأحد الخطباء من أبناء الامامية يقرأ خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام ولأول مرة أسمع هذه الكلمات، حيث نفذت هذه الكلمات الى أعماقي كالسهم ففتحت جرحاً لا أظنه يندمل بسهولة ويسر، غالبت دموعي وحاولت منعها من الانحدار ما استطعت ولكنها انهمرت وكأنها تصر ان تغسل عار التاريخ في قلبي، فكان التصميم للرحيل عبر محطات التاريخ للتعرف على مأساة الامة، وتلك كانت البداية لتحديد هوية السير والانتقال عبر فضاء المعتقدات والتاريخ مع الميل إلى الدليل، . وأضاف يقول عندما سمعت هذه الفقرة من خطبة الزهراء ( وأنتم تزعمون أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ،أفلا تعلمون ؟! بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته، أيها المسلمون أأغلب على ارثيَّ ؟ يا ابن أبي فلان أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي، لقد جئت شيئا فريا، افعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول (وورث سليمان داوود)[٤] وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا ( يرثني ويرث من آل يعقوب )[٥] وقال (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله )[٦] وزعمتم ان لا حظوة لي ولا إرث لي من ابي ، أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها أم تقولون إنا أهل ملتين لا يتوارثان، أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة - يعني تتهمونني بالكفر في هذه الحالة حتى لا أرث - أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي فدونكها مخطومة مرحولة - يعني مجهزة تامة الجهاز- تلقاك يوم حشرك ونشرك ، فنعم الحكم الله والموعد القيامة والزعيم محمد).