الذي هو عارف بدخائلهم وعارف بأعدائه بشكل واضح وتام. ولذلك يصفهم بأوصاف، فيقول في مثل هذا اليوم، لما أراد الإمام الحسين (ع) أن يخطب في العسكر، فأول شيء، بدأ هؤلاء يدقون على الدروع، وعلى سرج الخيل، يصنعون ضوضاء وفوضى بحيث لا يُسمع كلام الإمام الحسين (ع). فأشار إليهم (ع): "اسْمَعُوا قَوْلِي، وَإِن ْكَانَتْ بُطُونُكُم قَدْ مُلِئَتْ مِنَ الحَرَامِ"، فالآن، دعوا آذانكم - على الأقل – أن تمتلئ بسماع دعوة الحق. فواحد من الدوافع الأساسية لهؤلاء القادة أو الأتباع: امتلاء البطون من الحرام. وهذه يمكن أن نراها في أكثر من موضع. فالفرزدق، لما قابل الإمام الحسين (ع) وهو خارج من مكة، متجه إلى كربلاء، سأله الإمام: "كَيْفَ حَالُ النَّاسِ؟" فقال: "أَمَّا الْكِبَارُ فَقَدْ مُلِئَتْ غَرَائِرُهُم مِنَ الأَمْوَالِ". والغرارة هي: مثل الخزينة،
أو الصندوق الذي يحفظ فيه المال. فهؤلاء امتلأت غرائرهم وصناديق أموالهم من أموال الخلافة الأموية، وبالتالي اشتَرِيَ هؤلاء بشكل كامل. وأكد على هذا المعنى نفس عبيد الله بن زياد، لما جاء وقضى على ثورة مسلم وحركته في الكوفة. فخطب في الناس، وقال لهم: "أَمَّا بَعْدُ، فَأَنْتُم تَعْلَمُونَ، أَنَّ أَمِيرَ الكذا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَة، قَدْ أَمِنَتْ فِي عَهْدِهِ السُّبُلُ، وَعَمَّ النَّفْعُ وَالخَيْرُ وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَزِيدَ عَطَاءَكُم مِئَةً مِئَةً". يعني: لكل واحد ١٠٠ درهم زيادة له. فهذه الأموال أثرت أحد أثرين. الأثر الأول: ما يقوله علماء الأخلاق، وتؤيده الروايات: أن المال الحرام يؤثر في قلب الإنسان، وفي إيمانه، بل وفي بدنه أيضا. أي لما يأكل أحدهم الحرام، فدينه يتأثر، وضميره يتأثر، وإيمانه يتأثر، وهذا ثابت بالروايات الكثيرة المتعددة. هذا واحد. الأمر
الثاني: حتى لو لم نسلم بهذا الأمر الأول، فالمال السياسي يستقطب الولاءات والانتماءات. فنحن نلاحظ، في أي مكان، تكون انتخابات، كما في هذه الأزمنة، تجد بعض الجهات، تذهب وتعطي أموالا وتبذل، وتصرف، صرفا كثيرا جدا؛ حتى تستقطب آراء الناس، فتشتري صوتهم بالمال، وتشتري تأييدهم بالمال، وتشتري ولاءهم بالمال. فهؤلاء - بتوزيعهم الأموال - صنعوا أمرين: لوثوا النفوس، كما أشار الإمام الحسين (ع)، قال: "مُلِئَتْ بُطُونُكُم مِنَ الحَرَامِ"، وأمر آخر: أنهم اشتروا هؤلاء الناس الذين استلموا منهم الأموال؛ ولذلك انتهى بهم الحال إلى هذه المواقف التي وقفوها في كربلاء، حيث أجهزوا على الحسين وقاموا بجرائم - حقيقة - لا يرتكبها ليس الإنسان المسلم، وإنما حتى الإنسان الذي يوجد لديه مقدار من الضمير، ومقدار من القلب والوجدان، بل مقدار من القيم الإنسانية.
فالإمام الحسين يقول: "لَوْ كُنْتُم لَا تَخَافُونَ المَعَاد"، لا دين عندكم، ولا رب عندكم، ولا قيامة عندكم، "كُونُوْا أَحْرَارًا"، حكموا عقولكم، تصرفوا كأحرار، غير مأسورين إلى الحقد والضغينة والكراهية، ولكن هؤلاء كانوا في واد آخر. وفي مثل هذا اليوم، أي في مثل هذه اللحظات، عندما صرع الحسين (ع) قبل ربما ٤، ٥ ساعات، وما إن رفع رأسه على رمح طويل، حتى قام ذلك الجيش بما يندى له جبين الإنسانية، فجاءت هذه الليلة، ليلة الحادي عشر من المحرم، على معسكر الحسين، في أصعب ما يمكن وصفه، كما يقول شاعر أهل البيت الشيخ الوائلي، رحمة الله عليه:وسجى الليل والرجال ضحايا والنساء المخدرات ثكولهذا كان حال ذلك المخيم. فأول أمر بعدما صرع الحسين (ع)، أغار الجيش والخيل على مخيمات الحسين (ع). وبدأت عملية
النهب والسلب والضرب.