بجواب، هذا الجواب، يعتبر مزيفا. فجوابه الأصلي في مكان آخر لا بد أن نحصل عليه. فقال: "لَقَدْ أَمَرَنَا أُمَرَاؤُنَا، وَلَوْ لَمْ نُطِعْهُم، كُنَّا كَالحَمِيرِ". فإذا لا نطاوع أمراءنا نصبح مثل الحمير. حسنا، فإذا لا تطاوع الله، تصبح ماذا؟ إذا لا تطاوع رسول الله، تصبح ماذا؟ هذه عقلية: المأمور معذور، إلى حد أن يقتل بريئا! فنحن مأمورون، والمأمور معذور، وإذا لا نطاوع الأمير ننقلب إلى كذا وكذا، ويحل علينا غضب الله! وهذا الاستهلاك الإعلامي ليس صحيحا. الصحيح أين؟ الصحيح: عندما جاء في يوم التاسع من المحرم. ومعه رسالة من عبيد الله بن زياد، ردا على رسالة كان أرسلها عمر بن سعد. فهذا عمر بن سعد، كان يريد أن يخرج من المسألة، فلا يقتل الحسين، ولا يخسر ملك الري، فكان - بشكل
من الأشكال - يحاول أن يحتفظ بملك الري، ولا يقتل الحسين، إلا أن بن زياد عرف أن نقطة الضعف عنده هذه. فلما قال له: كلف أحدا آخر من الناس، يذهب إلى قتال الحسين. قال له: "عَهْدُنَا رُدَّ عَلَيْنَا"، مع السلامة، فقال له: "انْظُرْنِي أُفَكِّرُ إِلَى مَا بَعْد". فعمر بن سعد، وإلى وقت متأخر، كان يلعب على هذا الرهان. فأرسل الرسالة إلى ابن زياد في اليوم السابع: أنه: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْفَأَ الفِتْنَةَ وَأَخْمَدَ النَائِرَةَ"، وانتهت المعركة الآن؛ لأن الحسين بعد مفاوضتنا إياه، قَبِل أن يأتي ويضع يده في يد عبيد الله بن زياد، حتى يسيره إلى ثغر من الثغور يجاهد فيه، حاله في ذلك حال أي واحد من المسلمين. فالمشكلة انتهت الآن، والحسين حاضر أن يأتي، ويبايع، وأنتم ابعثوه إلى
أي مكان من الأماكن التي فيها قتال للمشركين. وهذا كان كذب وافتراء على الحسين، ولم يحصل شيء من هذا القبيل. ولكن هي كانت محاولة من عمر بن سعد؛ لكي ينأى بنفسه عن قتل الحسين، وأن يستلم ولاية الري، ملك الري. فلما بعث الرسالة، أي أرسلها، وصلت إلى هناك، إلى عبيد الله بن زياد، فقرأ الرسالة على جمع، من بينهم شمر - وشمر إلى ذلك الوقت بعد لم يكن قد جاء إلى كربلاء - فقال له شمر: "هَذَا كِتَابُ شَخْصٍ مُنَاصِحٍ لِأَقَارِبِهِ". فعمر بن سعد بينهم وبين الحسين نسب، ولو في الأعلى. هذا زهري، وهذا قرشي، وفي النسب الأعلى بينهما قرابة. فهذا إذن أثر فيه الرحم وأثرت فيه القرابة النسبية، فلا يريد أن يقتل الحسين ولا أن يقاتله. ورأيي، يقول شمر،
رأيي: أن ترسل إليه رسالة حازمة، وتهدد فيها: "إِمَّا تَمْضِي لِأَمْرِنَا أَمْرَ السَّامِعِ المُطِيعِ وَإِلَّا فَخَلِّي بَيْنَ شِمْرِ ذِي الجَوْشَنِ وَبَيْنَ الجَيْشِ". إما تنفذ العمل الذي طلبناه منك، وإلا فهناك غيرك. وأعطى الرسالة إلى نفس شمر، اذهب وأوصلها إلى عمر بن سعد، وسلمها بيده، وانظر جوابه، فإذا قبل يحسم الأمر وينهي المعركة سريعا، وإلا قل له: أنت معزول وأنا مكانك. فأتى شمر بن ذي الجوشن إلى كربلاء فعلا، وقاد عمر بن سعد، وقال له: أريدك في مسألة. وقرأ عليه رسالة عبيد الله بن زياد، فتصور عمر بن سعد أن هذا من وراء الشمر نفسه. فقال له: "قَبَّحَكَ اللهُ، وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ". لكن الشمر قال له: ماذا؟ تمضي لأمر أميرك، وإلا خلي بيني وبين الجيش. أي أنا أصبح الوالي على
الجيش والقائد، وهنا الدافع الحقيقي لشمر بن ذي الجوشن. فليست القضية قضية: أمرنا أمراؤنا ولو لا نلتزم بأوامرهم نصبح كالحمير وكذا، لا. القضية قضية قائد. مثلما الآن يجعلون أحدا قائدا للقوات المسلحة، في بلد من البلدان على مستوى الخلافة، وهذا منصب كبيرا جدا، أكبر من منصب وزير الدفاع، ففيه صلاحيات عسكرية، وإمكانات مالية، وقوة سياسية، وكذا، وكذا، فهو يفهم هذا الشيء، ولذلك رفض عمر بن سعد، وقال له: "لَا. وَلَا تَرَانَا، أَنْتَ كُنْ عَلَى الرَّجَالَةِ، وَأَنَا الْقَائِدُ العَامُ لِلْجَيْشِ". فهنا، تلاحظ أن هؤلاء لم يكونوا يعربون حقيقة عن دوافعهم، وإنما كانوا يزيفون. من أين نكتشف مثلا ما كان لديهم حقيقة؟ إما في فترات من هذا النوع، فنعقد مقارنة بين كلمات هؤلاء، أو نلجأ إلى من عاصرهم، مثل: الإمام الحسين (ع)