الدوافع الحقيقية لجريمة قتل الحسين ع

الدوافع الحقيقية لجريمة قتل الحسين ع
00:00 --:--

افتخروا بمواقفهم. فلو يتابع واحدنا كتب السيرة، يجد فيها افتخارا بالموقف، إعرابا عن الهدف، تعريفا بالذات. وفي الطرف المقابل: تجد صم بكم عمي. فيخرجون إلى المعركة لا يعرف أحدهم بنفسه، ولا يتحدث عن هدفه، لا يتكلم عن غايته؛ لأنه في قرارة نفسه يرتكب جريمة، فماذا يستطيع أن يقول؟ أيقول: أنا بطل؛ لأنني في جيش فيه ٢٠ ألف إنسان في مقابل ١٠٠ إنسان؟! فهذه ليست بطولة. هل يستطيع أن يقول: أنا خرجت؛ لكي أحارب الحسين بن علي، بن فاطمة بنت رسول الله؟! لا يمكنه أن يقول هذا الكلام. فإذن لا يوجد مجال للفخر باعتبار المعادلة معكوسة. فالذي في مجموعة المائة لو قابل جيشا مثله ٣٠ مرة، فهو في محل افتخار، أما إذا واحد عكس القضية، فليس محله محل افتخار أبدا، ليس

موقع كبرياء هذا. بالإضافة إلى أن هؤلاء في قرارة أنفسهم يستشعرون أنهم يقومون بعمل غير صحيح، غير سليم، بعمل إجرامي. فإذن نحن لا ننتظر في البداية أن نتعرف على الدوافع الحقيقية المفصلة للجريمة من قبل فاعلها؛ لأن هؤلاء قد يلوذون بالصمت في هذه الجهة، أو يعطون مبررات أخرى، يعطون كلمات ليست حقيقية، ولكن لتسويقها إعلاميا. يعني مثلما الآن في السياسة، وهذا معروف، لا يأتي الطاغية ويقول: أنا سجنت، وقمعت؛ لأني أنا مستبد. منعت حقوق الناس؛ لأن التفرقة عندي هي الأساس، وأن بنائي وحكمي قائم على التفرقة. وإنما يقول مثلا: نحن نظرا لأننا نريد أن نحافظ على الأمن العام، قمنا بهذا العمل. لأننا نواجه مؤامرات خطيرة من الخارج، قمنا بهذا الإجراء. وهذه عبارة عن دوافع مزيفة وغير حقيقية للعمل الذي قاموا

به. في كربلاء أيضا حصل مثل هذا الأمر. يعني مثلا، عندما يتكلم يزيد عن دوافعه لقتال الحسين (ع)، فهو لا يقول الدوافع الحقيقية. وهنا يأتي بعض المؤرخين الذين لا وعي عندهم، أو يأتي بعض القراء الذين لا معرفة عندهم، ويقبلون هذا الكلام منه! باعتبار أنه: نعم، الدافع إلى المعركة كان كذا، وكذا. مع أن هؤلاء لا يقولون الحقيقة، وإنما يزيفون الدوافع. حتى إذا أصبحوا، في بعض الفترات، في يقظة، تسرب الدافع الحقيقي. سآتي لك ببعض الأمثلة في هذا الباب. عمر بن سعد مثلا، لما سأله الحسين (ع) في مثل ليلة البارحة، ليلة العاشر، إذ طلب الإمام الحسين (ع) عمر بن سعد لكي يحدثه، إذ لديه مفاهمة معه. تقول الرواية: فجاء إليه عمر بن سعد وكان كارها لذلك، فخاطبه الحسين: "يَا

عُمَر، أَنْتَ تُقَاتِلُنِي وَتَعْرِفُ مَنْ أَنَا؟"، أي أنت تعرف من أنا، مع ذلك تقاتلني! هل معقول هذا؟ فلماذا؟ فقال: "لِأَنَّنِي لَوْ لَمْ أَفْعَلُ خِفْتُ أَنْ تُهْدَمَ دَارِي". فأنا أخاف أن يهدم ابن زياد داري في الكوفة. وهذا الذي جعلني آتي لقتالك. فقطع الإمام الحسين (ع) حجته، وقال له: "أَنَا أَبْنِي لَكَ غَيرَهَا". فإذا دارك تُهدم، أنا أبنيها، والبناء الجديد أحسن من القديم، بالتالي هذا عرض مغر. فقال: "أَخَافُ أَنْ يُقْطَعَ رِزْقِي وَعَطَائِي وَعِنْدِي مَسَاكِينَ أَخَافُ عَلَيْهَا"، قال: "أَنَا أُعْطِيكَ الْبُغَيْبِغَة"، ويظهر أن البغيبغة بستان كبير جدا، حسبما يذكر السيد المقرم في المقتل، والسيد المقرب من المحققين، أي شخص محقق في التاريخ، فلا يرسل الكلام عادة على عوائمه. فقال له: "أَنَا أُعْطِيكَ الْبُغَيْبِغَة"، بستان للإمام الحسين (ع)، يقول: "وكان الحسين قد

أعطي فيه ألف ألف دينار"، أي مليون دينار. مليون دينار - خصوصا في ذلك الزمان - شيء هائل جدا. فلم يقبل عمر بن سعد.فإذا فعلا القضية قضية مالية، خائف أنت على رزقك، وعطاءك، ومصادرة أموالك، وعلى دارك، فموضوعها قد انتهى. لكن هذا كله من الدوافع المزيفة وليس دافعا حقيقيا، فالدافع الحقيقي قاله في وقت آخر: أأترك ملك الري والري منيتي أم أرجع مأثوما بقتل حسينحسين بن عمي والحوادث جمة ولكن لي في الري قرة عينفالدافع الحقيقي هنا. وليست قضية دار ولا خوف على بستان، وإنما قضية رئاسة من جهة، وأهواء مادية من جهة أخرى، هي التي تدفع به إلى ذلك. يقول: أنا أدري أن الحسين هكذا، نسيبي قريبي، ومنزلته أعرفها، لكني أخضع لشهوة السلطان وباقي الشهوات التي تتبعها. فهنا قدم

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة