قضى حق العليهم دون الخيام
ولا خلوا خوات حسين تنضام
لما ماتوا تفايض منهم الهام
تهاووا مثل مهوى النجم من خر
هذا الرمح بفاده تثنى
هذا بيه للنشاب رنة
وهذا الخيل صدره رضضنه
وهذا وذاك بالهندي موذر
ثم برز من بقي من أهل البيت (ع). فبرز علي الأكبر، ابن الحسين (ع). وما هي إلا ساعة وإذا بالحسين واقف على مصرعه. وهو يقول: "بُنَي عَلَى الدُّنْيَا بَعْدَكَ الْعَفَا". برز بعده أبناء الحسن المجتبى، فاستشهدوا بأجمعهم. وبرز أبناء عقيل، وآل أبي طالب، فاستشهدوا جميعا. وكان آخر واحد العباس بن علي بن أبي طالب. إذ ذهب إلى شريعة الفرات، فما رجع إلا مقطوع اليدين، مفضوخ الهامة بعمود من الحديد. جاءه الحسين ووقف على مصرعه. وهو يقول: "الآنَ انْكَسَرَ ظَهْرِي، وَقَلَّتْ حِيلَتِي، وَشَمُتَ بِي عَدُوِّي".
بعد ذلك، وقف الحسين وحيدا فريدا، وقف إلى جانب خيامه، وهو ينادي: "أَلَا مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُنَا، أَلَا مِنْ مُعِينٍ يُعِينُنُا. أَلَا مِنْ ذَابٍّ يَذُبُّ عَنْ حُرَمِ اللهِ وَحُرَمِ رَسُولِهِ". ثم خرج الحسين لقتال الأعداء. ودع نساءه وأطفاله، وجاءته زينب بطفله الرضيع؛ ليطلب له شيئا من الماء.
فدعا في القوم يا لله من خطب فظيع
نبئوني أأنا المذنب أم هذا الرضيع
لاحظوه فعليه شبه الهادي الشفيع
لا يكن شافعكم خصما لك في النشأتين
جاء به إلى الأعداء، ورفعه بين يديه، وقال: يا قوم قتلتم أخوتي وأهل بيتي، ولم يبق إلا هذا الطفل الرضيع. وقد جف اللبن في ثدي أمه، فخذوه إليكم واسقوه، إن خفتم أن نشرب الماء. اختلف المعسكر فيما بينهم، فقال عمر بن سعد: يا حرملة، اقطع نزاع القوم. فسدد سهما في كبد قوسه، ورمى الطفل الرضيع في منحره، فذبحه من الوريد إلى الوريد. أي وارضيعاه وامصيبتاه.
رجع الحسين بالطفل الرضيع إلى الخيمات، ثم حمل على القوم حملة منكرة، وهو يقول: إلى أين تفرون وقد قتلتم إخوتي وأهل بيتي، إلى أين تفرون وقد قتلتم عضدي. فأكثر الجرحى والقتل فيهم. ولم يبرز إليه أحد. فأمر عمر بن سعد أن يحيطوا به من كل ناحية ومكان.
ودار العسكر على حسين يا حيف
ناس بالرماح وناس بالسيف
يشبها دورها على الليث الخيف
بياض العين بصبيها يتدور
أخذ التعب من الإمام مأخذه، والعطش مبلغه، فوقف يستريح قليلا، عظم الله أجوركم. بينما هو على هذه الحالة، وإذا بحجر أبي الحتوف يصك جبينه، فسالت دماء الإمام من جبينه، وخضبت وجهه. رفع قميصه؛ لكي يمسح الدم عن عينه، وإذا بسهم حرملة، مثلث، يقع في أحشاء الإمام. أي واحسيناه وسيداه.
فانبعث الدم من الإمام، لم يستطع أن يستمسك على ظهر الفرس، فسقط إمامنا من على ظهر فرسه، وأغمي على الإمام على هذه الحال، بعد أن ناجى ربه، وبعدما التفت إلى خيمه وأهل بيته يرمقها بنظرته، والعسكر الآخر متحير ماذا يصنع؟ فجاء بعضهم إلى الحسين، فلما نظر إليه، أرعد وجبن. وظلوا على هذه الحالة ينتظرون. عندها أفاق الحسين (ع)، فنادى شمر بن ذي الجوشن: ويحكم، ماذا تنتظرون من رجل؟ فنزل هذا اللعين إلى الأرض، عظم الله أجوركم، وسل سيفه، وجاء إلى الإمام سلام الله عليه، ثم تربع على صدره، وأخذ يهبر أوداجه، والإمام ينادي: أأقتل عطشانا وأنا ابن رسول الله، وهذا شمر يضربه في عنقه إلى أن فصل رأسه الشريف، أي وااا
هذا جزاء رسول الله! ليس هذا لرسول الله يا أمة العدوان والبغي جزاء .. جزروا جزر الأضاحي نسله ثم ساقوا أهله سوق الإماء .. ميت تبكي له فاطمة وأبوها وعلي ذو العلا، لو رسول الله يحيى بعده، قعد اليوم عليه للعزاء، كربلاء لا زلت كربا وبلاء، كربلاء لا زلت كربا وبلاء، ما لقي عندك آل المصطفى، كم على تربك لما صرعوا، من دم سال ودمع قد جرى