الحسين وارث الأنبياء

الحسين وارث الأنبياء
00:00 --:--

ثم جاء زهير بن القين، وخطب خطبة أخرى، وقال: "وَيْحَكُم يَا هَؤُلَاءِ، أَدَعَوْتُم هَذَا الْعَبْدَ الصَّالِحَ حَتَّى إِذَا نَزَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُم، أَسْلَمْتُمُوهُ، وَحَلَّأْتُمُوهُ عَنْ مَاءِ الْفُرَاتِ، وَمَنَعْتُمُوهُ مِنْ سَقْيِ أَهْلِهِ وَأَطْفَالِهِ، وَهَذَا الفُرَاتُ تَسْبَحُ فِيهِ خَنَازِيرَ السَّوَادِ وَكَلَابَهُ. وَيْحَكُم، وَهُوَ ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ (ص)". فقال له شمر بن ذي الجوشن: "أَبْرَمْتَنَا بِكَثْرَةِ كَلَامِكَ، مَاذَا تُرِيدُ؟ مَاذَا تَقُولُ؟" قال: "لَا أُخَاطِبُكَ، إِنَّمَا أَنْتَ بَهِيمَة، قَدْ طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِكَ". يعني أنت لست لهداية، حتى أخاطبك، إنما أخاطب باقي الناس.

ورجع زهير، وقام برير، وخطب خطبة أخرى، ولم يؤثر ذلك. فجاء الحسين مرة أخرى، وخطب فيهم - هذه المرة - خطبة صاعقة. فنادى: "تَبَّا لَكُم أَيَّتُهَا الجَمَاعَةُ وَتَرَحًا، أَحِينَ اسْتَصْرَخْتُمُونَا وَالِهِينَ، فَأَصْرَخْنَاكُم مُوجِفِينَ، سَلَلْتُم عَلَينَا سَيْفًا لَنَا فِي أَيْمَانِكُم، وَحَشَشْتُم عَلَيْنَا نَارًا اقْتَدَحْنَاهَا عَلَى عَدُوِّنَا وَعَدُوِّكُم، بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُم، وَلَا أَمَلَ أَصْبَحَ لَكُم فِيهِم"، يعني: أنتم عن ماذا تدافعون؟ لا هناك عدالة أنتم تنتظروها وتعيشون في ظلها، ولا هناك أمل للمستقبل. فالمفروض أن الإنسان الذي يعيش في وضع كهذا، لا يدافع عن هذا الوضع الشائن، وضع الظلم. "بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُم، وَلَا أَمَلَ أَصْبَحَ لَكُم فِيهِم، فَهَلَّا لَكُم الْوَيْلَات، تَرَكْتُمُونَا وَالسَّيْفُ مَشِيمٌ، وَالجَأْشُ طَامِنٌ وَالرَّأْيُ لَمَّا يُسْتَحْصَفُ، وَلَكِنْ أَسْرَعْتُم إِلَيْهَا كَطَيْرَةِ الدَّبَا، وَتَسَارَعْتُم إِلَيْهَا كَتَسَارُعِ الفَرَاشِ، فَسُحْقًا لَكُم يَا عَبِيدَ الأُمَّةِ، وَشُذَّاذَ الأَحْزَابِ، وَعُصْبَةَ الإِثْمِ، وَنَفْثَةَ الشَّيْطَانِ، وَمُحَرِّفِي الْكَلِم، أَهَؤُلَاءِ تَعْضِدُونَ، وَعَنَّا تَتَخَاذَلُونَ، أَجَل، وَاللهِ غَدْرٌ فِيكُم قَدِيمٌ، وَشَجَتْ عَلَيهِ أُصُولُكُم وَتَآزَرَتْ فُرُوعُكُم، فَكُنْتُم أَخْبَثَ الثَّمَر، شَجًى لِلنَّاظِرِ، وَأُكْلَةً لِلْغَاصِبِ. أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ بْنَ الدَّعِي قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَينِ، بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ"، السِّلة: يعني سِّلة السيوف، أو أَسَلِ الرماح، " بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَهَيْهَات مِنَّا الذِّلَّة، يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ لَنَا"، انظر إلى العناصر الموجودة عند الإنسان المؤمن، حتى يرفض الذلة، "يَأْبَى اللهُ لَنَا ذَلِكَ وَرَسُولَهُ"، دوافع دينية، "وَالمُؤْمِنُونَ"، المحيط الاجتماعي، "وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ"، تربية تعودنا عليها أن نرفض الذلة، "وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ، مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الْكِرَام".

عندئذ، رمى عمر بن سعد، يعني الخطاب من هنا، الفكر من هنا، والسلاح من ذلك الصوب. انظر المنطق كيف يكون؟ فقسم من الناس لا يتحمل هذا الأمر أبدا، ولا بد أن يحارب. فقام عمر بن سعد، وتوسط بين المعسكرين، ووضع سهما في كبد قوسه، ورمى به جهة الحسين. وقال: "اشْهَدُوْا لِي عِنْدَ الأَمِيرِ أَنِّي أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ". انظر الدوافع هنا، لا يمكنني أن أشرح لك في كل موقف، ولكن انظر هنا، الموقف: كلام عن الدنيا وتغيرها، والدوافع الدينية، وغير ذلك، وهناك الكلام: اشهدوا لي عند الأمير، أنه أنا أول من رمى؛ حتى يزداد عطائي وأثاب على ذلك. فليس هناك من قيم تدفع إلى رمي السهام. "اشْهَدُوْا لِي عِنْدَ الأَمِيرِ أَنِّي أَوَّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ"، فتواترت السهام على مخيم أبي عبدالله، حتى شكت أزر بعض النساء؛ لأن الجيشين متواجهين بمقدار رمية السهم، فإذا رمى من تلك الجهة، من الممكن أن تصل إلى المخيم. ولذلك وصلت إلى قسم من النساء. انظر كم من النبالة الذين رموا نبالا وسهاما من تلك الجهة إلى هذه الجهة. فتواترت النبال والسهام على معسكر الحسين (ع). فقال الحسين (ع): "أَصْحَابِي، قُومُوا هَذِهِ رُسُلُ الْقَوْمِ إِلَيْكُم". فقام أصحاب الحسين (ع)، والتحموا في معركة فدائية مع أعدائهم. وما إن انجلت الغبرة، إلا عن ٥٠ شهيدا من أنصار الحسين. والحسين ينادي: "إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُون".

كان هؤلاء يقتلون في المعسكر الأموي، لكن؛ لكثرتهم، لم يكن يبين النقص فيهم. وكلما قتل من أنصار الحسين، كانوا ٨٢ في أكثر الفروض، الذين قاتلوا في ذلك اليوم، فإذا استشهد منهم ٥٠، يعني: قريبا من ثلثي معسكر الحسين (ع). فقام الحسين (ع) - بعد ذلك - يأمر أصحابه أن يبارزوا مبارزة فردية، وأن لا يلتحموا مع الأعداء. فبرز كل فارس منهم، ومقاتل، فكان يقتل جمعا كبيرا من هؤلاء. فبرز الجابريان، وبرز الغفاريان، وبرز غيرهم، حتى أكثروا القتل والجرح في جيش بني أمية، فنادى عمر بن الحجاج الزبيدي من قادة الجيش الأموي: "وَيْحَكُم، أَتَدْرُونَ مَنْ تُقَاتِلُونَ، تُقَاتِلُونَ فُرْسَانَ المِصْرِ، وَأَرْبَابَ البَصَائِرِ وَقَوْمًا مُسْتَمِيتِينَ"، يعني: معسكر الحسين، فلا يبرز إليهم واحد بعد واحد، "فَإِنَّكُم لَوْ بَرَزْتُم إِلَيهِم لَقَلَوْكُم بِأَجْمَعِكُم، وَلَكِنْ احْمِلُوا عَلَيهِم حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ". فحمل معسكر بن زياد على أصحاب الحسين، وقد حان وقت صلاة الظهر، فقتلوا مقتلة كبيرة منهم. وبقي الإمام الحسين في نفر من أصحابه. عندها، التفت أبو ثمامة الصائدي، وقال: "أَبَا عَبْدِاللهِ، هَذَا وَقْتُ الصَّلَاةِ قَدْ حَضَر. وَأُرِيدُ أَنْ أُقْتَلَ بَعْدَمَا صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاة َعَنْكَ". فنظر الحسين وقال: "ذَكَرْتَ الصَّلَاةَ جَعَلَكَ اللهُ مِنَ المُصَلِّينَ الذَّاكِرِين". أيها المؤمنون، الله الله في الصلاة، فإنها خير العمل، وإنها عمود دينكم، لم يتركها الحسين في ذلك الموقف الصعب. فقال الحسين لبعض أصحابه: "هَلِمُّوْا نُصَلِّي، وَسَلُوهُم أَنْ يُوقِفُوا الْقِتَالَ"، فذهبوا إليهم، وسألوهم أن يوقفوا القتال، رفض أصحاب عمر بن سعد، وقالوا: إن صلاة الحسين لا تقبل عند الله. فصلى الحسين (ع) بأصحابه صلاة الظهر قصرا؛ لأنه لم يبق عشرة أيام. ووقف بعض أصحابه يذبون السهام عن الحسين وعن أصحابه، وكان بينهم: سعيد بن عبدالله الحنفي، الذي كان يرد السهام تارة بدرعه، وأخرى ببدنه. فقد كانت تصيبه السهام، حتى ما إن انتهت الصلاة إلا وهو ينزف دما، ويخر على أرض، ويقول: "أَبَا عَبْدِاللهِ، أَوَفَيْتُ لَكَ"، قال: "بَلَى، أَنْتَ أَمَامِي فِي الجَنَّةِ. بَلِّغْ رَسُولَ اللهِ عَنَّا السَّلَام، وَقُلْ لَهُ: إِنَّنَا فِي الأَثَرِ". وبعد صلاة الظهر، حملوا على الأعداء، فتفانى أصحاب الحسين بأجمعهم.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة