الأمر هكذا! الجواب على هذا: الحكم هو الناس. فنحن نعتقد أن فلتر الجمهور الواعي هو أفضل شيء، ونعتقد أن الإنسان غير مجبور أن يحضر لا في هذا المنبر، ولا في ذاك المنبر، صحيح أم لا. فالذي يأتي بي إما دافع ديني، فأنا إنسان أريد أحصل على ثواب، ولا يفرق عندي هذا المنبر أو ذاك. أو الذي يأتي به ميزة في الخطيب، فيقول لك: هذا الخطيب، صوته أجمل، وأنا أبحث عن الصوت الأجمل، أو يقول لك: هذا الخطيب يبكي أكثر، وأنا أحتاج إلى أن أبكي، أو ذاك الخطيب، عنده ثقافة أكثر، وأنا أبحث عن الثقافة. أو ذاك الخطيب، لنفترض يتعرض لمواضيع تتصل بالمجتمع وأنا أبحث عنها. فهذه المساحة من الاختيار شيء طيب. ولذلك هي يمكن أن تعتبر فلترا مناسبا. فلهذا الخطيب
جمهوره، ولذاك الخطيب جمهوره. ولهذا الاتجاه جماعته وذاك الاتجاه جماعته. وهذا التنوع خير وبركة. فلا ينبغي أن يُظن أن هذا الشيء غير حسن. ولا يُظن أن توحيد الأشياء قسرا أمر حسن. فأحيانا، يسأل إنسان، بدل أن يكون عندنا ٥٠ منبرا في البلدة الفلانية، لماذا لا يكون مجلس مركزي واحد، وخطيب من الدرجة الأولى. هكذا لا يحضره الناس، فهذا يخالف حريتهم، فأنت تقبل بهذا الخطيب، لكن ذاك لا يقبل به. أنت ترتاح لطريقة هذا، وذاك لا يرتاح إلى طريقته. فالتوحيد القسري ليس شيئا صحيحا. إنما إبقاء الأمر ضمن انتخاب الناس، هذا شيء حسن، وهذا يفتح نظرنا على الأمر الثاني: أن المساحة الحسينية واسعة جدا. فالذي يريد رثاء، ويريد بكاء، ويريد دمعة، ويريد عبرة، الحمد لله المجتمع الشيعي يوجد فيه خير كثير
في هذه الجهة، فعندنا راثون، ومنشدون، وخطباء في هذا الجانب، أصواتهم نقية، وحفظهم جيد. وقسم من الناس يحتاجون إلى هذا المعنى، فلماذا تمنعهم؟! وعندنا قسم آخر، يقول لك: الموضوع الثقافي بالنسبة إلي هو الأهم، فيذهب هذا إلى مكانه، وذاك يذهب إلى مكانه الآخر. وينبغي أن لا ينظر إلى هذا الأمر، على أنه حالة سلبية، فينادى: تعال نوحد الناس، على خطيب واحد، وعلى مجلس واحد، وعلى مواضيع واحدة! فهذا يرجعنا إلى طريقة الحكومات نفسها. الحكومات تقول: هذا فقط الخطيب ولا غيره، وهذا المسجد وليس أي مسجد، وهذا الموضوع وليس أي موضوع! وهذا هو الذي جعل الحالة الثقافية عندنا تتراجع في أمتنا الإسلامية. لذلك نحن نعتقد أن هذه الحالة الموجودة عندنا، في الجملة، لا أريد أن أقول كل شيء فيها حسن، لا.
بالإجمال، بما هي مساحة حرة، تتيح للطاقات المختلفة أن تبرز، وتفسح للإنسان مجالا أوسع لكي يختار. وهذه حالة جيدة، فلا داع أن نقسر الناس، وأن نجبرهم، وأن نوحدهم بالقوة، لا على مجلس، ولا على خطيب، ولا على موضوع. وبالتالي الناس نعتقد أهن عندهم من الوعي والمعرفة المقدار الكافي، إذا وجدوا شيئا مناسبا سوف يأتون إليه، وهذا هو الحاصل غالبا الآن في مجتمعنا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا نعمة ولاء الحسين، وأن يبقي هذه المراسم والشعائر التي أكد عليها أئمة أهل البيت (ع) تأكيدا عاليا، ودفعوا إليها بكل ما يستطيعون من جهد. فجلسوا في مواسم المحرم، وحثوا أتباعهم على ذلك. بل نحن نجد ليس فقط أتباع أهل البيت، حتى غير أتباع أهل البيت عندهم هذا الأمر. فالكندي الشافعي، ينقل
في كتبه، وهو شافعي المذهب، عن بعض شعراء الشافعية، قولهم: إذا ذكر الحسين فأي عين تصون دموعها صون احتشام. أي إذا جاء ذكر الحسين فأي العيون التي تتوقف، هذا مثلما قال شاعرنا: أي المحاجر لا تبكي عليك دما. إذا ذكر الحسين فأي عين تصون دموعها صون احتشامبكته الأنبياء وليس بدعا أن يبكي الكرام على الكراملذلك يأتي مثل أبي هارون المكفوف إلى الإمام، فيقول في مثل هذه الأيام: دخلت عليه، فإذا به جالس جلسة الكئيب الحزين. تصور بعين قلبك، أنه في مثل هذه الليلة، سيدك ومولاك جعفر بن محمد جالسا في بيته، واضعا رأسه بين يديه، جلسة الحزين الكئيب، تسيل دموعه على خده لمصاب الحسين (ع). فلما أقبلت عليه – يقول أبو هارون – قال لي: "أَنْشِدْنِي يَا أَبَا هَارُون فِي