مقدمة حول الإستناد إلى الآراء الفقهية وعدم وجود شهرة قديمة للتطبير
المقدمة هي أن الاستنصار بقول هذا الفقيه أو ذاك من المتقدمين أو المتأخرين، وأن فلان عالم جدا كبير يقول بكذا وأن فلان عالم ثاني يقول بخلافه، هذا ليس صحيحا. لماذا؟ لأنه إن كان الأمر ينتهي إلى ما يسميه العلماء بـ "الشهرة الفتوائية" بمعنى أن الطائفة وعلماءها في أزمنة مختلفة من بعد الغيبة وإلى أيامنا هذه كانت فتواهم على الأمر الفلاني، هذا يسمونه شهرة فتوائية (شهرة في الفتوى). فبعض الناس يقول: إن فلان موضوع افتى به علماء الطائفه من زمان بداية الغيبة الكبرى إلى أيامنا، فهو مشهور في فتاوى العلماء، وإذا كان كذلك فينبغي أن يكون الفتوى على طبقه لاشتهار ذلك بين علمائنا.
هذه أولا في أصلها ليست مقبولة عند كل العلماء؛ قسم من العلماء يلاحظ شهرة الفتوى وقدر الإمكان ينسجم معها، وقسم آخر يقول: لا، لتكن الفتوى هذه مشهوره في طول هذه الأزمنة، أنا اعمل رأيي وأجتهد في الأدلة، إن طابقت ما ذهب إليه المشهور فهو، وإن لم تطابق، فهذا أنا رأيي وهذا أنا مجتهد وفقيه.
على أن هذه المسألة الخاصة عندنا -وهوه مسألة الإدماء والجرح- لم تكن موجوده في الأزمنة المتقدمة حتى يقال إن فتوى العلماء معها أو ضدها. بعض القضايا من زمان غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وإلى الان، مثل مسائل الطهارة والنجاسة والمسائل الأساسية؛ اكو بعض الفتاوى نظرا لمتغيرات معينة ترتبط بزمان، على سبيل المثال: إذا واحد يدور على شهرة في رمي الجمرات في نص العمود لو على اليمين أو على اليسار، ما يقدر يحصل هذا! ليش؟ لأن اصل العمود هذا ما صار إلا في فترات متأخرة، وما صار بهذا العرض يمين وشمال عرضه كذا من الأمتار إلا في هالـ ٢٠ سنة الماضية، ٣٠ سنة الماضية، فتري مثلا فتوى من واحد مثل قبل ٧٠ سنة وقبل ٧٠٠ سنة هذا ما تقدر تحصله.
قضية الإدماء والجرح كمسألة شرعية أفتى فيها العلماء ليست مسألة قديمة؛ ربما، ربما أقول: أول ما طرحت للنقاش العلمي الشديد هو عندما طرح السيد محسن الأمين العاملي رحمه الله قبل حوالي ١٠٠ سنة كتب رسالة بعنوان التنزيه لأعمال الشبيه في سنة ١٣٤٧ هجرية (يعني ١٠٠ سنة بالضبط تقريبا) وكان من المانعين والمخالفين لامر الإدماء والجرح، وبعده صارت الرسائل تجي والفتاوى والاستدلالات المقابلة وطرحت المسألة طرحا كبيرا استدلاليا.
ولذلك من ذاك التاريخ إلى الآن خلال ١٠٠ سنة تجد في هذا الموضوع الكثير من الرسائل العلمية قد دونت. أحد علمائنا المحققين حفظه الله، الشيخ محمد الحسون، لديه كتاب اسمه موسوعة الشعائر الحسينية جمع فيه -وهو عمل جيد- جمع فيه نحو ٧٠ رسالة بين مخالف وموافق في أعمال الجرح والإدماء؛ ٧٠ رسالة من ١٠٠ سنة إلى الآن كتبت وهو جمعها وحققها، بعضها بالعربي، بعضها بالفارسي، بعضها بالاردو، ومطبوع الكتاب بعنوان موسوعة الشعائر الحسينية أكثر من عشر مجلدات.
فالمسألة في الاستدلال فيها هي من المسائل الحديثة (١٠٠ سنة، ١٥٠، أكثر، أقل، ٢٠٠ سنة هالحوالي)، فماكو شهرة إلى أول أزمنة الغيبة الكبرى، ولذلك لا يصح أن يأتي الإنسان ويقول ترى هذه مسألة العلماء السابقون كلهم عليها وهي مشهورة بين الفقهاء، لا في جهة المانع ولا في جهة القبول. على أنه حتى لو صارت هناك شهره، هذا الإنسان يستطيع أن يقول: أنا لا أقلد هؤلاء الاقدمين، وإنما أقلد فقيها معاصرا، وهذا الفقيه مجتهد له رأيه وهو الذي يلزمني أنا، أما فلان عالم قبل ٣٠٠ سنة قال هالشكل، فلان فقيه قبل ٢٠٠ سنة قال شكل آخر، هذا ما يلزمني في شيء، إنما يلزمني قول الفقيه الذي أقلده.