المبحث الأول: إيمان آباء النبي صلى الله عليه وآله
من أول المباحث التي تذكر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله مبحث إيمان والديه بل آبائه، أو الطرف الآخر لهذه القضية: هل كان أبواه غير مؤمنين أو لا؟
قطبة الشيعة الإمامية وكثير من علماء مدرسة الخلفاء يلتزمون بأن آباء النبي وأجداده إلى إبراهيم كانوا على التوحيد وكانوا على الطهارة. بينما ذهب المشهور في مدرسة الخلفاء -اعتماداً على ما ورد في بعض رواياتهم في الصحاح وفي مسند أحمد- إلى القول بأن والدي النبي المباشرين (يعني عبد الله عليه السلام وآمنة عليها السلام) لم يكونا مؤمنين.
فمثلاً فيما يرتبط بوالد رسول الله صلى الله عليه وآله عندهم هذا الحديث الذي يصفونه بأنه صحيح، كما ورد في سنن أبي داود، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأل عن أبيه: أبوي وين الآن، شنو وضعه؟ فقال: " إن أباك في النار " باعتبار أنه كان في الجاهلية. فكانما هذا السائل تأذى وانصرف، فاستدعاه كما يقولون النبي واسترجعه، قال له: " إن أبي وأباك في النار "، يعني لا تزعل! يتمسكون بهذا الحديث ويرونه في كثير من مصادرهم كشاهد على أن والد النبي عبد الله لم يكن مؤمناً وإلا لما كان في النار.
ويذكرون بالنسبة إلى والدة رسول الله (آمنة بنت وهب) أنه النبي استأذن الله أن يزور قبرها فأذن له، واستأذنه أن يستغفر لها فنهاه عن الاستغفار؛ لأن المشرك في رأيهم لا يستغفر له.
هذا ما يذكرونه في حال عبد الله والد النبي وآمنة والدة النبي صلى الله عليه وآله. طبعا هذا ليس الكل، وإلا فإن من أهل السنه من ألف رسائل متعددة، كالسيوطي (جلال الدين السيوطي)، وهو واحد من كبار علماء مدرسة الخلفاء، ألف قرابة أربع رسائل في الاستدلال على إيمان والدي النبي صلى الله عليه وآله. لكن هذا يصفونه بالتساهل! الطرف الآخر غالبية علماء المدرسة الأخرى رأيهم هو ذلك الرأي الموجود في هذه الأحاديث، ووصفوا السيوطي الذي دافع دفاعاً مستميتاً في أربع رسائل واستدل على إيمان أبوي النبي بأدلة كثيرة، يصفونه بأنه متساهل!
وأما وصفهم للشيعه فبعد واضح، باعتبار أن الشيعة يعتقدون مو بس أن النبي والديه المباشرين كانا مؤمنين، وإنما إلى إبراهيم كانوا أي الاباء على دين الله، على التوحيد، وانه كان على الطهر والنزاهة من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام المطهرَة. وهذا اللي نقراه مثلاً في زيارة الإمام الحسين عليه السلام، هو هذا: " ولم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها ". هذا يقتضي نفس ما عليه شيعة أهل البيت، أن كل هذه السلسله مهما تعالت كانت على غير الجاهلية، وإنما هي على طريق التوحيد.
الأدلة على طهارة وتوحيد آباء النبي صلى الله عليه وآله
أما بالنسبة إلى هذه الكلمات التي ذكروها، فقد رد عليها بأمور متعدده نشير إلى بعض هذه الأمور:
١. حديث تنقل النبي في الأصلاب والأرحام الطاهرة
فأول ما يمكن أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وآله روي عنه قوله: " لم يزل الله تعالى ينقلني من أصلاب المطهرين إلى أرحام المطهرات ". انت لو تتامل في هذا الكلام وتضيف إليه ما ورد في كتاب الله العزيز: " إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ". كما عليه علماء اللغة، كأنما (نجس) مصدر مثل ما تقول: فلان عادل وفلان عدل. لما تقول: فلان عدل، يعني هذا بعد اجتاز مراحل العدالة وكأنما كل العدل تلخص فيه. لما تقول: هذا نجس، يعني كأنما نجاسة علقت به. أما تقول: (نجس) يعني كأنما عين النجاسة في هذا المكان! كيف يجتمع أن الله عز وجل يقول: " إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ " (يعني عين النجاسة، عين القذارة)، كيف يجتمع هذا مع ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله: " لم يزل الله عز وجل ينقلني من أصلاب المطهرين إلى أرحام الطاهرات" لم يلتقي أبواي على سفاح قط ؟ هذه السلسلة كانت مطهرة من حيث النكاح والسفاح، وكانت أيضاً منزهة عن الشرك؛ لأن الشرك قذارة ونجاسة معنوية.