الجمع بين الجانب البشري والجانب الغيبي في حياة الأئمة
فإذن الإمام له جانب بشري يعيش حياة الناس؛ يحتاج إلى الطعام فيأكل، يحتاج إلى النكاح فيتزوج، يمرض، يطرأ عليه التعب، تؤثر فيه السهام والنبال والسموم والسيوف، ليش؟ لأن هذا مقتضى كونه بشرًا، مو لأنه مرتبط بالله عز وجل فإذن السم لا يؤثر فيه والسيف لا ينفذ إليه والمرض لا يأتي إليه، لا، هو بشر فيجري عليه ما يجري على البشر بمقتضى بشريتهم.
ولكن في الطرف الثاني هو أيضًا عالم علمًا لا يستطيعه البشر هذه كجنبة إلهية، هو معصوم عصمة ضرورية مع كون المشتهيات والشهوات والملهيات موجودة ومحيطة به بمقتضى بشريته، إلا أنه بعصمة الله عز وجل مقرونًا باختياره لا يتأتى منه صدور المعصية صغيرة ولا كبيرة، بل ولا السهو ولا النسيان، ليش؟ لأن إذا يتمشى منه هذه الأمور تفسد جهته الربانية والإلهية والارتباط بالله سبحانه وتعالى وما أوجب الله عز وجل على الناس من طاعته.
هذا إذا فهمه الإنسان -والحق أنه ليس سهلًا- إذا فهمه الإنسان آنذاك ينحل عنده كيف أن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام مثلًا تزوج جعدة بنت الأشعث الكندي، وهي التي سوف تسمه فيما بعد.
الإمام بمقتضى بشريته في الأمور البشرية ليس مامورًا أن يستعمل العلم الإلهي الخاص الخارق للغيب، وإنما يتعامل في حياته البشرية بمقتضى القواعد البشرية؛ ينتخب امرأة ظاهرها الصلاح، ولو أن هذه في علم الله عز وجل بعد عشر سنوات سوف تقدم له السم. تدرون جعدة تزوجها الإمام عليه السلام من سنة ٤٠ هجرية أيام كان والدها الأشعث بن قيس على قيد الحياة، والأشعث بن قيس مات بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام بـ ٤٠ يوم، فلا بد أن يكون تزويج الحسن عليه السلام بابنته قبل ذلك والرواية التاريخية تشير إليه.
زين، فهذه لما انتخبت واختيرت ضمن معادلات في ذلك الوقت تعتبر حكيمة، قسم منها ندري عنها وقسم منها ما ندري عنها. ولكن أنت الآن أحيانًا ابنك يريد أن يتزوج امرأة، تستطيع أن تدرك كل الحيثيات اللي تخليه يتزوجها؟ لكن إذا تعتقد أن هذا حكيم، ابنك حكيم وما يقدم على خطوة هوجاء ولا غير طبيعية، تقول: هو يدري الأسباب وبالتالي هو اللي راح يتزوج. هذا إذا كان ابنك، فكيف إذا كان في حكمة الإمام الحسن عليه السلام؟!
ضمن ظروف ذلك الزمان تزوج هذه المرأة، لو أراد أن يستخدم العلم الإلهي الخارق المستقبلي يمكن أن يصنع ذلك، ولكن ذاك الوقت ما يصير حجة عليّ، ذاك الوقت ما يصير أنا مأمور بالإقتداء به، ليش؟ لأن أنا أقول: أنت تأمرني مثلًا بالصبر على زوجتي وإذا صار عندها مشاكل وغير ذلك بمن أقتدي؟ بالمعصوم؟ المعصوم يدري كل شيء أول وتالي ومستقبل وحاضر، فإذاً ينتخب إليه أفضل النساء وأحسن النساء اللي ما لها نظير، أنا ما أقدر هذا أسويه فإذن أنا لا أستطيع أن أقتدي به!
وهذا مو خاص بالإمام الحسن، تدرون في حياة الأنبياء العظام وفي حياة الأئمة أيضًا كذلك؛ امرأة لوط وامرأة نوح ذكرهما القرآن الكريم كنموذج على المرأة السيئة وهي زوجة نبي في سورة التحريم، ضربهما مثلًا للذين كفروا؛ هم امرأة لوط وهم امرأة نوح، وكلاهما بلا شك عنده علم إلهي، لو أراد أن يعرف مستقبلها وكذا لعرف، ولكن ذاك الوقت ما أحد يقدر يقول تعالوا اقتدوا بنبي الله نوح في معالجة مشكلات زوجته.
الأئمة عليهم السلام: الإمام علي عليه السلام قبل الإمام الحسن تزوج امرأة وطلقها؛ لأنها كانت ترى رأي الخوارج. نفس الإمام الحسن أيضًا تزوج امرأة ثقفية كانت ترى رأي الخوارج. والإمام السجاد أيضًا كذلك. وتزوج الأئمة من بعض بنات الخلفاء، مثل الإمام الرضا عليه السلام والإمام الجواد، كل منهما قد تزوج بنتا للمأمون العباسي؛ أم الفضل تزوجها الإمام الجواد عليه السلام، وأختها تزوجها الإمام الرضا سلام الله عليه.