الامام الحسن في جانبيه البشري والغيبي

الامام الحسن في جانبيه البشري والغيبي
00:00 --:--

الاتجاهات الثلاثة في فهم شخصية المعصوم

خلّينا نبدأ بشيء حول الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ومنه ينفتح لنا أبواب في حياته وفي حياة سائر المعصومين عليهم السلام.

هناك فيما يرتبط بشخصية المعصوم ثلاثة اتجاهات؛ اثنان منها غير صحيحين، والثالث هو الصحيح والذي يجيب على الإشكالات:

١. اتجاه الإفراط في الجانب البشري ونفي الغيب

الخط الأول والاتجاه الأول: ما عليه أتباع أتباع مدرسة الخلفاء من احترام المعصومين باعتبار أنهم علماء أبرار صالحون طيبون. لكن هؤلاء العلماء الأبرار الطيبين -يعني الأئمة عليهم السلام عندنا وعند غيرنا- لا ارتباط بينهم وبين الباري سبحانه وتعالى بارتباط خاص؛ لا علم خاص لديهم، لا نصب خاص لديهم، لا انتخاب إلهي لهم، وإنما يعتقدون فيهم أنهم صالحون، علماء، طيبون، سلوكهم حسن وما شابه ذلك.

فكأن هذه المدرسة وهذا الاتجاه ينفي تمامًا الجانب الغيبي الموجود في أئمتنا سلام الله عليهم. فإذاً قضية العصمة ما موجودة، العلم الخاص غير موجود، الارتباط الخاص غير موجود، جريان المعجزات والكرامات بحسب الحكمة الإلهية على أيديهم غير موجود، الموجود هو ذلك الجانب البشري؛ بشر متقدمون، بشر صالحون، بشر علماء، بشر ذوو أخلاق عالية. هذه المدرسة تنفي تمامًا الجهة الغيبية وما يرتبط بها في حياة المعصومين عليهم السلام.

هذه فكرة لا شك أنها خاطئة ومعرفة ناقصة، بل هي جهل بمقاماتهم سلام الله عليهم، وهذا اللي يخلي أتباع هذه المدرسة ليسوا قريبين من الاعتقاد الصحيح بأئمة الهدى عليهم السلام.

٢. اتجاه الغلو والتفريط في الجانب البشري

هذا في جهة، على الطرف الآخر النقيض: أن هناك فئة تبالغ في أمر المقامات وتغالي في الجانب الغيبي، بل تصل إلى درجة كأنها تحذف الجانب البشري في حياتهم! وهم كانوا موجودين في التاريخ الإسلامي، وربما بعض أفكارهم إلى الآن مستمرة؛ يعتقدون بمقامات للأئمة عليهم السلام نفس الأئمة يرفضونها، كأنهم -نعوذ بالله- يرزقون بالاستقلال، يحيون بالاستقلال، يميتون بالاستقلال، يتحكمون في الكون بالاستقلال!

تضخم هذا الجانب الغيبي الذي يُعبَّر عنه في العقائد بالغلو، كأنهم يحذفون الجانب البشري منهم ويجعلون هذا الكائن -أي الإمام- كائنًا غيبيًا، كل شيء من مواضع الإله سبحانه وتعالى وأفعاله ينفذها هؤلاء. وهذه طريقة ونحلة ذمها الأئمة عليهم السلام، وقد ابْتُلِي الأئمة المعصومون بأشخاص من هذا النوع لم يستطيعوا أن يوفقوا بين بشرية الإمام في خلقه وبين اتصاله بالله عز وجل وانتخاب الله إياه ونصب الله إياه وعصمة الله له وعلم الله الذي قذفه في قلبه الذي لا حدود له كما هو عند البشر. ما قدروا يوفقون بين هذا الجانب وذاك الجانب، فغلبوا جانب الغيب وغالوا في المعصومين عليهم السلام، وخصوصًا إذا كانوا يرون أن هذه الأشياء هي بمقتضى ذواتهم باستقلال أنفسهم.

٣. الاتجاه الوسط المقبول (مذهب الإمامية)

نحن نعتقد أن أئمة الهدى عليهم السلام تجري على يدهم المعجزات، يجري على يدهم بفضل الله عز وجل وباذن الله عز وجل ما جرى على يد عيسى بن مريم؛ قال إنه يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ولكن شنو؟ بإذن الله! هو بلا إذن الله، بلا قوة الله، بلا تخويل الله يستطيعها هذه الأمور؟ أئمتنا سلام الله عليهم أيضًا هم هكذا، تجري على يدهم المعجزات وتصدر عنهم، لكن كل ذلك بإذن الله وطبقًا لموازين الحكمة؛ يعني مو فد إنسان ما دام أنا قوي أي وقت أقدر أجي أتعارك ويا من عداي، ما دام الله أعطاني هذه القدرة كل مكان أستخدمها، لا، ليس الأمر هكذا، وإنما هو ضمن إطار الحكمة وبإذن الله عز وجل.

وهذا هو الذي يعتقده الخط الوسط الذي عليه الإمامية الاثنا عشرية من أتباع آل محمد.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة