هذا الجائع، هذا العطشان هو الذي يسقي الناس؛ ملايين البشر يأكلون من بركاته، ملايين البشر يشربون من عطاءات هذا الضامئ العطشان (بأبي وأمي)!
هذا الضامئ الذي لم يظمأ وحده، وإنما ضمئ معه أهل بيته حتى طفله الرضيع أيضاً مات ضماناً (بأبي وأمي). جاءت به أمه الرباب وقالت لزينب: «يا زينب، خذوا طفلكم أنا خائفة أن يموت عندي وأنا لا أملك شيئاً»، فجاء به الحسين (عليه السلام) إلى القوم وقد دلع لسانه من شدة الظماء وهو يتلظى من ذلك، ودعا في القوم: «يا قوم...»:
مِنْ خَطْبٍ فَضِيعِ!
نَبِّئُونِي: أَنَا المِذْنِبُ (حَاشَاكَ سَيِّدِي)، أَنَا المِذْنِبُ عِنْدَكُمْ أَمْ هَذَا الرَّضِيعِ؟!
فَعَلَيْهِ شَبَهُ الهَادِي الشَّفِيعِ (ترى رسول الله هناك شبيهه عطشان، لاحظوه)،
لا يَكُنْ شَافِعُكُمْ خَصْماً لَكُمْ فِي النَّشْأَتَيْنِ!
عَجِّلُوا نَحْوِي بِمَاءٍ أَسْقِهِ هَذَا الغُلامْ ... فَحَشَاهُ مِنْ أُوَامٍ فِي اضْطِرَامْ
أحشاؤه تشتعل من شدة الظلماء:
فَاكْتَفَى القَوْمُ عَنِ القَوْلِ بِتَكْلِيمِ السِّهَامْ!
يعني بتجريحه بالسهام:
فَاكْتَفَى القَوْمُ عَنِ القَوْلِ بِتَكْلِيمِ السِّهَامْ ... وَإِذَا بِالطِّفْلِ خَرَّ قَدْ صُرِعَ لِلْيَدَيْنِ!
وا حسيناه! وا حسيناه! تلج حسين بدم الطفل بيده:
أَهْ، إِشْحَالْ اللِّي يِجْتَلْ بِحُضْنُه وَلِيَّه ... سَالْ وِتْرَسْ كَفِّه مِنْ وَرِيدَه
وَذَبّ لِلسَّمَا وَلِلْقَاعْ مَا خَرّ
تقول الرواية: لم تسقط قطرة من دم الطفل الرضيع بعدما رفعه الحسين إلى السماء:
ذَبّ لِلسَّمَا وَلِلْقَاعْ مَا خَرّ ... وَمْنِ العَطَفْ أَهْوَى لِتَقْبِيلْ طِفْلِه
فَقَبَّلْ مِنْهُ قُبْلَةَ السَّهْمِ فِي المَنْحَر!
لَقَدْ وُلِدَ فِي سَاعَةٍ هُوَ وَرَدَّهُ ... وَمِنْ قَبْلِهِ فِي نَحْرِهِ السَّهْمُ كَبَّر!