هذا العمل (عمل الطعام) تحول الآن -بحمد الله وبفضله- إلى سنة دائمة في كل الأوقات للحسين (عليه السلام) ولأهل البيت في عزائهم ومصائبهم، ونعم ما تحول؛ أولاً لأن التشريع لا يختص بزمن دون زمن ولا يختص بحالة دون حالة وإنما حسب قدرة الإنسان، وفيه امور كثيرة توجب أن يكون هذا دائماً ومستمراً وفي كل الحالات:
١. المظهر الجلي للمودة في القربى:
أنه من مظاهر المودة في قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو الأمر الذي أُمر به المسلمون جميعاً: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى﴾. تعلمون أن المودة تختلف عن المحبة؛ المحبة شعور قلبي حتى لو لم يظهره الإنسان فهو يحب فلاناً، أما المودة فلا تكون مودة إلا بإظهارها في الخارج. ولذلك بعض المسلمين عندما يقولون إننا نحب أهل البيت، يقال لهم: ليس المطلوب هو المحبة وإنما المطلوب في القرآن ماذا؟ المودة! بأن تظهر ذلك، تعلنه بلسانك، تنشر اسمه، كذلك تقتفي أثره، تلتزم بقوله، تعرف أنك منه وإليه، وهو ما عليه شيعة آل محمد أن تطعم الناس باسم الحسين (عليه السلام) في مناسبته؛ هذه مودة في قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت ولا تزال هكذا وستبقى. فأولاً هذا الإطعام في موسم الحسين (عليه السلام) هو مظهر من المظاهر الجلية في المودة في القربى إذا أراد الإنسان أن يظهر المودة: إما يظهرها بلسان، يظهرها بيد، يظهرها بإنفاق مال، يظهرها بإطعام وهكذا... وهو كما قلت ما عليه شيعة أهل البيت (عليهم السلام) من أنهم لا يكتفون بالمحبه بل بالمودة يصيرون إليها، بل بالاتباع والاقتداء وهو الدرجة العالية بحيث يسيرون كما ساروا ويقتفون أثرهم. هذا واحد من الأمور.
٢. مصدر للبركة في المال والبدن:
الأمر الآخر أن هذا الإطعام مصدر من مصادر البركة للمُطعِم وللطاعِم. نحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى عندما أمر بكيفيات معينة فإن في تلك الكيفيات أسراراً وغايات؛ يقول لك إذا أردت أن تشرب الماء قل: "بسم الله الرحمن الرحيم"، أردت أن تاكل قل: "بسم الله الرحمن الرحيم". في بعض الموارد أصلاً يكون الفارق بين الحلية والحرمة هو ذكر اسم الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مع أنها كلمتان (قول بسم الله هذا أدنى شيء)، لكن الفرق بين أن تقولها وأن لا تقولها هو أن هذا حرام وهذا حلال!
أما الآثار والبركات والخيرات التي تحصل في بدن الإنسان على طعام قد ذُكر اسم الله عليه وعلى ماء قد ذُكر اسم الله عليه (وعندنا أيضاً تأكيد أن يُذكر الحسين عليه السلام عند شرب الماء)؛ فهذه تصبح آثاراً في داخل نفس الإنسان وبدنه، الله سبحانه وتعالى هو العالم فقط بمقدارها وسعتها. نحن نعلم أن هناك آثاراً تحصل وليس الأمر فقط أمراً تعبدياً، وإنما لولا حصول هذه الآثار كلاً أو بعضاً لما قَيَّدَ الله سبحانه وتعالى البشر بها؛ إذا ليس لها أثر فليس لها معنى ولا أي نتيجة، فيصبح لغواً أن تُكَلِّف الناس بها في مثل التسمية على الذبيحة، ويصبح لغواً أن تستحبها وتؤكد عليها في سائر الموارد.
فإذاً الإطعام الذي يُطعم باسم الحسين (عليه السلام) هو مصدر من مصادر البركة في مال الإنسان لما دل عليه الحديث الذي ذكرناه من أن من أنفق درهماً أو ديناراً في طعام ابن بنت نبيه عوضه الله عن كل درهم بسبعين وعن كل دينار بسبعين. هذا في جهة المُنْفِق والمُطْعِم؛ يبارك الله له في ماله ورزقه، وأن هذا باعتبار أنه إطعامٌ فالرزق يكون إليه أسرع من السكين في السنام.