وكثير من الآيات المباركات جاءت في هذا الجانب (إن شاء الله نتحدث في ليلة قادمة عنها في أحوال أهل البيت): ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾. فالآيات المباركات كثيرة في هذا الجانب، والروايات كثيرة نشير إلى بعضها
في الرواية عندنا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إِنَّ الرِّزْقَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُطْعِمُ الطَّعَامَ مِنَ السِّكِّينِ فِي السَّنَامِ». سنام الإبل عبارة عن كتلة دهنية، فالسكين لما تمشي فيها تمشي ببطء أم بسرعة؟ بسرعة بطبيعة الحال، هذا ليس خسباً ولا حديداً وإنما كتلة سمن ودهن، فالسكين تمشي فيها بسرعة. فالرزق بالنسبة إلى من يطعم الطعام أسرع من تلك السكين في ذلك السنام!
لماذا يقول النبي هكذا؟ لأن عادة الإنسان إنما يتوقف عن مثل هذا العمل لماذا؟ لأنه يخشى على رزقه: «أنا إذا كل سنة أنفق هكذا تخلص أموالي، رصيدي المالي يقل، بدل هذا دعني أجمعها لكذا وكذا»، فرزقه يحجزه، وخوفه على ذلك الرزق هو الذي يمنعه من أن يتحرك بهذا الاتجاه. فالنبي (صلى الله عليه وآله) يقول له: لا تخف، بالعكس الرزق بالنسبة إلى هذا أسرع من هذه الحالة، والله وعد أن الإنسان إذا أنفق شيئاً فهو يخلفه، وهذا إذا أنفق في إطعام المحتاج والفقير بل غير الفقير (أصل الإطعام) يعوضك الله ويخلف عليك ويعطيك.
أما بالنسبة إلى الحسين (كما سيأتي بعد قليل) فهو يعوض الدرهم بـ ٧٠ درهماً! هذا في الدنيا استثمار؛ هل هناك استثمار في الدنيا كلها أنت تعطي درهماً واحداً فيتضاعف لك ضعفين؟! أقصى ما تضعه في الاستثمار الاقتصادي إذا جلب لك الضعف (جاب لك وجه وقفا كما يقولون)، لا! هذا ٧٠ ضعفا! هذا الأثر الدنيوي، والأثر الأخروي أيضاً تكفير الذنوب والعفو عن الإنسان.
وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أيام شهادة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) بأن يُعمل الطعام لعائلته وأسرته، وذلك بحسب الظاهر باعتبار انشغال أسرة جعفر (أسماء بنت عميس وأولادها وقرابتها) وانشغال أخوات جعفر أو إخوته ممن ينبغي أن ينشغلوا في مصيبة وعزاء جعفر؛ فبعدُ هذه المرأة زوجته ومن يشبهها لسن في حالة أن تقومن وتصنعن طعاماً وما شابه ذلك مع أنه أمر لازم. فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن يُعمل لهن الطعام وأن يُوصل إلى بيوتهن، ولعل هذا كان من أوائل تشريعات الإطعام في قضية الفقد والعزاء.
وبعد ذلك صارت هذه سيرة؛ ذكرنا في ليالٍ مضت ما نُقل من أن زين العابدين (عليه السلام) بعدما رأى نساء بني هاشم يلبسن السواد وكن لا يشتكين بعد قتل الحسين من حر ولا برد: «وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ يَعْمَلُ لَهُنَّ الطَّعَامَ لِلْمَأْتَمِ». "يعمل" يحتمل المباشرة من قبله (وهذه مرتبة جداً عالية)، ويحتمل أنه يجهز ذلك.
عندنا بعض الأفعال -كما يقولون في اللغة العربية- تحتمل أن تكون مباشرة وتحتمل أن تكون بالواسطة؛ تقول: «فلان تاجر بنى مسجداً»، بنى مسجداً ليس بالضرورة أن يأتي ويضع يده في الإسمنت وهذه الأعمال التنفيذية، وإنما يكفي أن يبذل المال ويأتي آخرون فيبنون المسجد فيصدق عليه أنه بنى مسجداً. هناك بعض الأشياء لا تحتمل إلا معنى واحداً وهو المباشرة، مثل: «فلان يأكل»، فلان يأكل ليس معناه أنه يجعل جماعة يأكلون وهو يجلس يتفرج عليهم أو يقول لهم كلوا عني بالنيابة!
"يعمل الطعام" تحتمل الأمرين؛ تحتمل أن الإمام (عليه السلام) أوصى غلمانه وخدمه وجواريه بأن يعملن ويعملوا الطعام لنساء بني هاشم (هذا يحتمل)، ويحتمل أيضاً أنه هو أيضاً كان يشارك ويعمل في ذلك من أجل بيان أهمية هذا الموضوع. وكلا المعنيين ينفع في تشريع هذا المعنى لِأَمْرِ من يقيم العزاء على الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).