وفي الطاعِم أيضاً؛ يبارك فيه في بدنه وفي نفسه، وهذا الشيء التجربة دلت عليه. يعني هذه السيرة التي رأيناها عند شيعة أهل البيت بل عند غيرهم؛ نلاحظ أن الكثير يتبركون بهذا الطعام ويحصلون على الشفاء في كثير من الموارد. ولقد رأيتُ رأي العين في بعض مناطقنا هنا في منطقة الخليج أن بعض العوائل الكبيرة من غير المذهب يصرون إصراراً كبيراً على أن يصل إليهم طعام الحسين في يوم عاشوراء! هذا أنا رأيته رأي العين؛ عوائل متمولة ضخمة من الناحية المادية تستطيع أن توفر لنفسها من الطعام ما لذ وطاب، ولكن عندهم في اليوم العاشر يوصون الحسينيات بأن يوصلوا إليهم (هذا أنا رأيته رأي العين في أكثر من منطقة، وبعضهم من الجهات الرسمية وغير ذلك)؛ لما يجدون من بركات هذا الطعام في أنفسهم وفي عيالهم.
وأما بالنسبة إلى شيعة أهل البيت فحدث ولا حرج مما وجدوا من بركات هذه الأطعمة! فالطعام الحسيني وما في حكمه مصدر من مصادر البركة التي تحل على الطاعم وعلى المطعم، على الباذل وعلى الذي بُذل له هذا الطعام. فغير أنها مظهر من مظاهر المودة، لها آثار وضعية واضحة على الطرفين. هذا أمر ثاني.
٣. وسيلة إعلامية لإعلان القضية الحسينية:
والأمر الثالث ونختم به: أن هذا الإطعام هو أفضل وسيلة أو من أفضل الوسائل في إعلان القضية الحسينية. عندنا وسائل كثيرة منها المجلس الحسيني، منها الكتاب، منها الشعر، منها الأدب، منها الفيلم... إلى آخره. وعندنا أيضاً هذا الأمر: الإطعام بحب الحسين (عليه السلام) وباسم الحسين (عليه السلام)؛ وصار هذا إعلاناً وشعاراً في كل مكان. متى جاء موسم محرم يعني أن هذه البركة تأتي إلى الناس.
(قد يعترض أناس ببعض الأسئلة وببعض الشبهات، وهذا حديثنا إن شاء الله في ليلة قادمة: نتحدث عما يُثار من أسئلة وشبهات حول موضوع الإطعام الحسيني، وحديثنا هو ضمن هذا الإطار: قضايا الموسم الحسيني على صاحبه آلاف التحية).
فإذاً هذا الإطعام -بالإضافة إلى ثوابه وبالإضافة إلى جزائه عند الله عز وجل في الدنيا والأخره- هو قضية تُعَلِّم الناس وتُعلن عن جهة الحسين (سلام الله عليه) وتُخبر الناس عن هذا. ولو أرادت مؤسسة من أضخم المؤسسات في الدنيا أن تحصي ما الذي ينفقه شيعة الحسين وأتباعه في موسم الحسين من الإطعام بمختلف أصنافه وأشكاله وجندت الآلاف لَعَجَزَت عن ذلك!
ويتصجب الإنسان أنه كيف هؤلاء شيعة أهل البيت (عليهم السلام) مع فقر الكثير منهم... قصص عجيبة؛ أن شخصاً مثلاً كل رأس ماله الوحيد هو أن عنده سيارة "وانيت" يكدح عليها طول السنة، حتى إذا جاء موسم محرم يبيعها قبله ويصنع طعاماً لزوار الحسين وللمعزين على الحسين (عليه السلام)! وهذا بنظر كثير من الناس شيء غير معقول، ولكنه هو نفسه ينقل يقول: «ما يخلص الموسم إلا ويأتيني رزق أضعاف ما صرفته وما أعطيته! كيف جاء وأنا لم أسَعَ إليه وإنما هو سعى إليَّ؟!» هذا معنى أن الرزق في الإطعام مثل السكين أو أسرع من السكين في السنام؛ لا سيما إذا كان في إطعام عزاء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
مصيبة الحسين وعطشه ومصيبة الرضيع
ومن العجب أن جائعاً قضى (بأبي وأمي)، وقال فيه زين العابدين (عليه السلام) كلما قُدّم إليه الطعام: «كَيْفَ آكُلُ وَقَدْ قُتِلَ ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ جَائِعاً؟! وَكَيْفَ أَشْرَبُ وَقَدْ ذُبِحَ ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ عَطْشَاناً؟!».
فكشف لنا هذا عن أن الحسين ذُبح في اليوم العاشر وهو جائع. تصوّر شخصاً قادماً من صلاة الفجر إلى عصر ذلك اليوم لم يأكل ولم يذق شيئاً من الطعام؛ فَقُتل جائعاً (بأبي وأمي)!