وارثية الامام الحسين للأنبياء والرسل

وارثية الامام الحسين للأنبياء والرسل
00:00 --:--

نجد وجه التشابه أيضاً بين النبي وبين حفيده وسبطه الحسين عليه السلام فيما ذكرناه من قبل، عندما رفض كل العروض عليه بأن ينزل لقريش وقال: «لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه». والحسين عليه السلام قال: «لو لم يكن لي في الأرض ملجأ لما بايعت يزيد»، و«على الإسلام السلام إذا بُليت الأمة براعٍ مثل يزيد»، إلى غير ذلك من وجوه التشابه الكثيرة.

وأما شبهه بأمير المؤمنين عليه السلام: «السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين عليه السلام»، فهو أمر التفت إليه حتى الأعداء فضلاً عن القريبين. لقد قال عمر بن سعد وهو على خط المواجهة مع الحسين عليه السلام عندما جاءه الشمر برسالة حاسمة من ابن زياد (إنه اليوم التاسع، اعرض على الحسين النزول على حكمي فإن فعل وإلا فاقتله، وإذا قتلته فأوطئ الخيل صدره وظهره إلى آخر ما قال)، فقال عمر بن سعد للشمر: «والله لا يجيب الحسين إلى هذا، إن نفس أبيه بين جنبيه؛ علي بن أبي طالب!»، وما كان فيه من عزة وما كان فيه من عنفوان في داخل نفسه، هذا هو الحسين.

في مرة أخرى وقف الحسين عليه السلام يخاطبهم فقطع عليهم قائدُهم خطابَه، قالوا له لما قال: «ويحكم إنه ابن أبي طالب! والله لو وقف عامة نهاره يخطب لما عَيِيَ أو حَصِرَ أو عجز، لو من الصباح إلى المساء يتكلم ما يعيا ولا ينقص ولا يتعثر، فإنه ابن أبيه!». ابن أبيه في بلاغته، ابن أبيه في شخصيته، ابن أبيه في قوته، وهكذا في شجاعته صلوات الله وسلامه عليه. ولذلك واجه منفرداً ذلك الجيش اللجب الذي اجتمع عليه.

المجلس والمقتل الشريف

إلى هذه الدرجة يقول الراوي: «فوالله ما رأيت مكثوراً قد قُتل أصحابه وأهل بيته وهو يقاتلهم فلا يزداد وجهه إلا إشراقاً!». المكثور تدري يعني شنو؟ المكثور يعني واحد في الوسط والجيش كله يحيط به من كل الجهات شبه الدائرة، يعني إذا تقدم إلى الأمام ليقاتل هؤلاء يطعنه من خلفه، وإذا أراد أن يقاتل من هو على يمينه يأتيه من هو على يساره. لذلك لما تسمع أنه «فصار جلد الحسين ودرعه كالقنفذ من كثرة السهام»، تصور واحد في المركز والكل يرميه بالسهام من جهة اليمين والشمال ومن الأمام ومن الخلف!

بأبي وأمي هذا المكثور الغريب الفريد صلوات الله وسلامه عليه. لذلك اشتدت الجراحات بأبي عبد الله الحسين عليه السلام، أول الأمر رجع إلى الخيام لكي يودع نساءه وأطفاله، ودع النساء وتعلقن به؛ هذه تشمه وتلك تضمها، هذه تقول: «أبا رُدَّنا إلى حرم جدنا»، وتلك تقول: «إلى من تتركنا بعدك؟». فخرج عنهن لما أمره الله سبحانه وتعالى أن يضحي بنفسه الشريفة من أجل أن يبقى هذا الدين.

فحمل على القوم تلك الحملة وأحاطوا به من كل مكان بعد أن كانوا يبرزون إليه واحداً بعد الآخر فيجدلهم؛ هذا يقطعه نصفين وذاك يضربه من رأسه إلى نصف صدره. فنادى فيهم عمر بن سعد: «ويحكم لا تبرزون للحسين! أتدرون من تقاتلون؟ هذا ابن الأنفع البطين، هذا ابن قتال العرب! لا يبرز إليه أحد!»، فقالوا: «ماذا نصنع يا عمر؟»، فقال: «احملوا عليه من كل ناحية ومكان!».

(شعر شعبّي/رثائي):

وَدَارْ العَسْكَرْ عَلَى حْسَيْنْ

دَارْ العَسْكَرْ عَلَى حْسَيْنْ، يَا حَفْنَة نَاسْ بَالرِّمَاحْ وَنَاسْ بَالْسَّيْفْ

يِشْبُه دُورْهَا عَلَى اللَّيْثِ المَخِيفْ بَيَاضِ العَيْنْ بَصُبَيِّهَا يَتْدَوَّرْ

جاءت السهام من كل مكان والنبال من كل ناحية، واشتد النزف بالحسين سلام الله عليه، هذا وقد كظه الظَمَأ. تدري الواحد اللي ينزف يحتاج إلى ماء حتى يعوض، كيف والحسين من صبيحة ذلك اليوم لم يبل ريقه بشيء من الماء وفوق هذا أيضاً هذا النزف منه؟!

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة