في ظلال زيارة الامام الحسين زيارة وارث

في ظلال زيارة الامام الحسين زيارة وارث
00:00 --:--

لكن قابيل لما أخذته الغيرة والحسد والعداوة -وهذا بلاء من الابتلاءات حقيقة، إذا إنسان يفكر فيه كيف أن شيئاً بسيطاً أحياناً يسبب التغاير، حتى على أمر طاعة، هم لم يتعاركوا مثلاً على أشياء دنيوية ولا على سلطة، بل أي الطرفين يُتَقَبَّل قربانه- فتقبُّل قربان هابيل إذ قَرَّبَا قرباناً فَتُقُبِّلَ من أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر، قال: ﴿لأَقْتُلَنَّكَ﴾!

هذه الشحنة الغضبية، الغيرة التي أحياناً قد تصير عندنا؛ يعني الشجار على الدعاء في بعض المساجد -إن شاء الله ليس ذلك فيمن يسمعنا- عراك علشان الدعاء! هذا يأتي قبل ذاك، وهذا يدفع ذاك... أو على الأذان -لا سمح الله-، أو على إمامة الجماعة! ولذلك بعض علمائنا يقول: إذا تنازع شخصان في إمامة قوم، يمكن لواحد أن يفتي بأنه: «لا تصلوا وراء الاثنين»؛ لأن هذا ينبئ عن أمر في النفس لا يتناسب مع درجات العدالة التي ينبغي أن تتوفر في إمام الجماعة.

تغاير حتى في الأمور الدينية من الممكن أن يكون طريقاً إلى جرائم؛ يحسد هذا، يغار منه، يعرقل له، يتآمر عليه، يتحدث عنه حتى فقط يبعده عن هذا المسجد، يبعده عن هذه اللجنة الدينية، يبعده عن ذلك العمل الإسلامي... طيب غيرة منه وهو يقدم نفسه، هذا أي ثواب ينتظر هذا الإنسان؟!

قابيل لما فعل هذا كان يريد أن قُربانه هو يُتَقَبَّل لا قربان هابيل، فكان أن قتل أخاه قابيل؛ لأن الغضب يبدأ بشيء بسيط لكن ناره مستعرة إذا لم يسيطر الإنسان على غضبه ويفسح المجال له. لماذا عندنا مثلاً يُستحب للإنسان إذا كان غاضباً أن يغير مكانه، يخرج من هذا الجو، الطاقة المشحونة السيئة؛ أنت في هذه الغرفة اخرج منها اذهب إلى غرفة ثانية في البيت، اخرج من البيت اذهب إلى مكان آخر، إن كنت قاعداً فَقُم، وإن كنت قائماً فاذهب وتوضأ. والوضوء بعد من الأمور التي تقضي على جمرة الغيظ والغضب للإنسان. لماذا كل هذا؟ لأن هذا الغضب وهذا الغيظ من الممكن أن يجر إلى قتل الآخرين، وكثيراً ما رأينا وسمعنا وقرأنا كيف أن الغضب بداية لجريمة!

فهذا أيضاً حصل، فنبي الله آدم ذاق جمرة ولده الطائع، ولده المؤمن، ولده الذي علقت عليه الآمال.

بل ولده الرضيع أيضاً قُتل بين يديه -بأبي هو وأمي-! هذا آدم. وأنت أيضاً ترى أن الحسين (سلام الله عليه) قد فقد مثل علي الأكبر؛ شبيه رسول الله خَلْقاً وخُلُقاً ومَنْطِقاً:

لَمْ تَرَ عَيْنٌ نَظَرَتْ مِثْلَهُ ... مِنْ مُحْتَفٍ يَمْشِي وَمِنْ نَاعِلِ

مَنْ ذَا أَعْنِي؟ ابْنَ لَيْلَى ذَا السَّدَى وَالنَّدَى ... أَعْنِي ابْنَ بِنْتِ الحَسَبِ الفَاضِلِ

لا يُؤْثِرُ الدُّنْيَا عَلَى دِينِهِ ... وَلا يَبِيعُ الحَقَّ بِالبَاطِلِ

يُغْلِي بَنِي اللَّحْمِ حَتَّى إِذَا أُنْضِجَ ... لَمْ يُغْلَ عَلَى الآكِلِ

هذا الآن سيفقده الحسين (عليه السلام)، وكيف عاد إذا كان هابيل شبيه آدم، فإن علياً شبيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! وأين آدم وأين رسول الله؟! هذا النسخة الثانية لرسول الله (صلى الله عليه وآله).

الإمام فيما نُقل عنه يقول: «فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ أَشْبَهُ النَّاسِ خَلْقاً وَخُلُقاً وَمَنْطِقاً بِنَبِيِّكَ، وَكُنَّا إِذَا اشْتَقْنَا إِلَى رُؤْيَةِ نَبِيِّكَ نَظَرْنَا إِلَيْهِ». هذا أشبه الناس، عجيب! الحسين هو شبيه رسول الله، ولكنه يقول: «إذا صار عندنا شوق لرؤية النبي نذهب ونجلس إلى جنب علي الأكبر وننظر إلى وجهه».

بعد هذا الإمام الحسين بحرقة قلبه وجمرة فؤاده يقول: «اللَّهُمَّ امْنَعْهُمْ قَطْرَ السَّمَاءِ وَبَرَكَاتِ الأَرْضِ، فَرِّقْهُمْ تَفْرِيقاً، وَمَزِّقْهُمْ تَمْزِيقاً». لك أن تلمس انفاس الحسين المتصاعدة في هذه الكلمات ودمعاته السخينة على لحيته الشريفة في وداع علي الأكبر (سلام الله عليه).

فانطلق عليٌّ إلى الميدان تشيعه دعوات أبيه وهو يقول أيضاً لعمر بن سعد: «يَا عُمَرُ، قَطَعَ اللَّهُ رَحِمَكَ كَمَا قَطَعْتَ رَحِمِي وَلَمْ تَحْفَظْ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ»، وتلا الآية المباركة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ في ذيل خروج علي الأكبر لكي يقاتل.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة