لما تلاحقت الأحداث وجاء الإمام الحسين (ع) إلى مكة المكرمة ونزل فيها، جاءت رسائل أهل الكوفة. منها ما هو صادق، ككثير من رسائل مخلصي شيعة أهل البيت. ومنها من كان يريد أن يتصيد، مثل حجار بن أبجر وابن الأشعث وفلان، هؤلاء قالوا لعل الريح تصير هالصوب إحنا يكون عندنا أيضاً يد عند الحسين وقلنا له ترى بايعناك، فإذا ولينا ولاياتك وقربنا في مقامك. فجاءت الرسائل مختلفة. الإمام الحسين (ع) لم يقدم على الأمر هكذا، وإنما أراد أن يرسل شخصاً ثقة، أميناً، مدبراً، يستطيع أن يعرف الوضع ويكتب إليه بما يرى على الأرض. وبالفعل، في يوم الخامس عشر من شهر رمضان، الإمام الحسين وصل حوالي ٣ شعبان إلى مكة، بقي فيها نهاية شعبان، في هالأثناء جاءت الرسائل، ١٥ يوم من شهر رمضان أيضاً مر، فأرسل الإمام الحسين (ع) وأخبر مسلماً بأن يمضي إلى الكوفة وأن يستطلع الوضع. ”رائد“، هذا يسمونه الرائد لا يكذب أهله، واحد اللي عنده خبرة، عنده حنكة، عنده تعقل، عنده فهم بالظروف الاجتماعية، يصير هذا رسول الحسين (ع) حتى يأخذ نتيجة هذا الأمر.
وكتب معه هذه الرسالة المعروفة: ”أما بعد فإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، مسلم بن عقيل. فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به كتبكم ورسائلكم، كتب إلي حتى أقدم وشيكاً إن شاء الله“.
مهمة تبين الوضع، مأمور بالمواجهة في الحالة الطبيعية؟ ما مأمور بالانقلاب بالثورة، وإنما هو مأمور ضمن الظروف العادية أن يخبر الحسين عما جرى وعما يجري وما يحدث بالفعل. مسلم راح اختار مكان أفضل الأماكن، ومارس سياسة هي أفضل السياسات.
البعض يقول إنه أول ما نزل نزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي. إذا هذا صحيح ليش اختاره مسلم بن عقيل؟ لأن المختار هو صهر والي الكوفة النعمان بن بشير، زوجاته هي بنت النعمان بن بشير الأنصاري، اللي هو والي الأمويين على الكوفة. فهذا إذاً مكان أمان لا يمكن أن يُقتحم موقع المختار، أيضاً وشخصيته تساعد على ذلك. قسم آخر قالوا إما نزل في دار مسلم بن عوسجة من البداية، أو انتقل إليها بعد دار المختار. وأخذ مسلم بن عوسجة وسائر شيعة أهل البيت (عع) يتباشرون فيما بينهم عن قدوم مسلم، وأن عليهم أن يبايعوه عن الحسين (ع). وصار الترتيب بحيث كل فئة يبايع عنها رئيسها وكبيرها إن لم يتمكنوا بشكل شخصي، حتى اجتمع عنده عدد كبير جداً. تغير الأمر كله، كأنما كان في ذاك الوقت مسلم بن عقيل بعد أن رأى هذا الأمر، كتب رسالة إلى الحسين (ع) يخبره عن الأوضاع أنها أوضاع مبشرة بالخير.
تغير الأمر عندما أشار سرجون الرومي، وهو مستشار كان لمعاوية بن أبي سفيان مسيحي، بقي على مسيحيته إلى أن مات. فأشار سرجون على يزيد بأن يجعل عبيد الله بن زياد على الكوفة بالإضافة إلى البصرة، هو والي البصرة فقال له ضم الكوفة إليه وأطلق يده في ذلك. وهو عبيد الله بن زياد أيضاً كان يريدها من الله حسب التعبير، لأنه كان يطمح إلى الخلافة، ما صارت له، لا أقل يأخذ العراق بكامله. فأرسل إليه رسالة، أي يزيد، وعينه والياً على الكوفة بالإضافة إلى البصرة، ونزل إلى الكوفة بسرعة. وعندئذ حسب التعبير أعلن الأحكام العرفية، شغل نظام العرفاء. والعرفاء أشبه بنظام مخابرات، كل قبيلة لها عريف يتصل بالسلطة الأموية ويعرف أشخاص هذه القبيلة، واحد واحد. فاستجلب هؤلاء، وطلب منهم ضبط من هم في عرافتهم تحت تهديد القتل إذا خرج أحد مع مسلم بن عقيل. تطورت الأحداث بما تعلمون.إحنا نلاحظ أن من معالم النصر عند مسلم بن عقيل اللي تحدثنا عنها قبل قليل، أن رجلاً يأتي إلى الكوفة ويصل إليها بعد ٢٠ يوم، من ١٥ شهر رمضان إلى ٥ شوال وصل، ويبقى فيها من ٥ شوال إلى ذي الحجة، يعني نحو ثلاثة أشهر، طيب؟ مع ذلك لا يجمع فلساً واحداً. استشهد مسلم بن عقيل وهو مديون ب ٧٠٠ درهم! هذا هنان النصر، هذا اللي يبقى للتاريخ، هذا اللي لازم يقتدي به الناس. مو إذا واحد إجا وصار متولي على ما أدري، ولاية، على وزارة، على إدارة، على شركة، على مؤسسة، على جمعية، تشوفه أكثر تخطيطه كيف يأخذ الفلوس والأموال من هذه ويستفيد! رجل علوي، يبقى ثلاثة أشهر في هذه البلدة والكل بايعه ويموت، يستشهد وعليه دين ب ٧٠٠ درهم! اللي يقول إلى بعض من كان حاضراً أن يبيع سيفه ودرعه ويسدد بقيمة هذا السيف وذاك الدرع. هذا هو الانتصار.