غير أن الأمر اللي صار سياسة عامة، حدث في بلاد المغرب كله وبلاد مصر والشام.. وذلك في زمانين، بعد انتهاء الدولة الفاطمية في مصر ومجيء الدولة الأيوبية، ورئيسها كان صلاح الدين الأيوبي؛ لأنه قضى على كل حالة شيعية في مصر وفي بلاد الشام.. وإلا الرجل ما كان إليه أي أثر من الآثار الصالحة: انهزم أمام الصليبيين ووو إلى آخره.. اللي يريد يقرأ يقرأ كتاب سيد حسن الأمين رحمة الله عليه، ابن سيد محسن الأمين، عن صلاح الدين وعن الأيوبيين، شيء حسب التعبير، ما أبقى له سترا!
زين، ليش إذن صلاح الدين اليوم، في كل مكان اسمه، تماثيله، الكتب عنه، كذا كذا... لأنه استطاع أن يكنس -هذا التعبير دقيق- أن يكنس كل أثر للتشيع في بلاد مصر والشام اللي سيطر عليها. اللطيف: هو كان واحد من غلمان الفاطميين ونمى عندهم وترقى في العسكر مالهم، وما كانوا يميزون بين هذا الشيعي وهذا السني، وهذا من جماعتنا وهذا كذا... فاستغل ذلك وشوي شوي إلى أن سيطر على الوضع وعزل الخليفة الفاطمي، وشرع بعد ذلك بتغيير كل مظهر من مظاهر التشيع في مصر وفيما والاها. يذكر هذا المقريزي، قلت أنا: أستشهد به لأنه مو شيعي يعني حتى يكون متهم، قال: وجاء دور بني أيوب أيام صلاح الدين فألغوا ما كان عند الفاطميين من مراسم الحزن في أيام عاشراء، ومن إقامة استرادقات -خيام للنياحة على الحسين- ألغى ذلك كله ومنع منه وجعل طعاما جديدا بأسماء مختلفة بعضها: عيشورية، بعضها ما أدري كذا.. توزع بعنوان: الفرح والابتهاج في هذا اليوم. وأمر بأن يجلس الوزراء وهو.. لاستقبال الناس باعتبار أن هذا اليوم يوم عيد يوم مبارك. ما يقدر يقول مباشرة؛ لأنه قتل فيه الحسين بن علي، ولكن قالوا لأن الله نصر موسى ونصر عيسى ونصر داود ونصر آدم ونصر ما أدري منو.. فإحنا قاعدين نحتفي بهذا.. ورح نتحدث عن موضوع صوم عاشوراء بعد ذلك.
فجرّت هذه القضية إلى بلاد مصر وسائر بلاد الشام، صار هذا اليوم يوم عيد يوم زينة.. صارت أكلات خاصة في هذا اليوم تطبخ، ويتنوّق فيها.. ويحسّن الطعام فيها، وتوزع الحلويات، ويؤمر الآباء بإلباس أبنائهم ملابس الزينة، ويتزاورون! هذا مهرجان فرح...! طيب ليش؟ لكي تبقى هذه الحالة، الناس بعدين يصير عندهم حالة موجودة إلى اليوم.. تدري؟ إلى اليوم هذا الشيء موجود.. الآن أنت أي بحث تسوي إلك في الانترنت أنه عاشوراء في هذه البلاد كيف يكون؟ يقول لك: هذاك الصوب!
نفس الكلام فعله السلاجقة الأتراك بعد قضائهم على البويهيين الشيعة الذين كانوا في بغداد. وفي سنوات قريبة أيضا، نفس الكلام ونفس الترتيب ونفس الأسلوب. فهنا لديك العراق وما ولاه، لديك مصر والشام وسط العالم الإسلامي، لديك بلاد المغرب كلها بما يشمل ليبيا الحالية والجزائر وتونس والمغرب الخاص ، هاي كلها بلاد المغرب كان يسيطر عليها الأدارسة. الأدارسة هم سادة من نسل الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، في قصة مفصلة كيف استولوا على بلاد المغرب، بعد قضية فخ وشهادة شهداء فخ.. صاروا وراحوا إلى هناك واشتغلوا وكذا.. وحديث مفصل، تحدثنا قبل -ربما- سنتين أو ثلاث سنوات عن موضوع التشيع في المغرب العربي وتاريخه، فتأسست دولة الأدارسة.
دولة الأدارسة أيضا كانت بحكم انتمائها النسبي أولا، وانتمائها المذهبي ثانيا؛ لأن فيه رأيين حول الأدارسة هل هم شيعة إماميون كما يذهب إليه بعض الباحثين أو أنهم لا.. شيعة زيديون. بس كلا الفريقين -لا شك- يتعامل مع محرم وعاشوراء بطريقة الحزن والنياحة على أبي عبد الله الحسين.
جاء وراءهم عدد من الدول منهم الأغالبة، منهم المرابطون، ولا سيما المعروف: المعز ابن العز ابن باديس الصنهاجي. خلى أبين إلك ملاحظة، أنت إذا شفت واحد معظم جدا في كتب التاريخ المخالفة، روح دور شسوه هذا بشيعة أهل البيت.. اتشوف العنصر الاكبر لتمييزه على غيره ورفع شأنه واعلاء منزلته هو: دوره في القضاء على ما يرتبط بالتشيع. وهذا الرجل واحد منهم: العز ابن باديس الصنهاجي، قريب من ٤٨ سنة حكم بلاد المغرب، وهذا قضى قضاء تاما على كل أثر للتشيع هناك، وحارب من كان يقيم العزاء في تلك البلاد. وهذا ينقلون.. يقول لك أنه مرة ذات يوم الظاهر يوم عاشوراء أو أيام محرم.. فرأى جماعة مجتمعين في ذلك المكان، بالتالي جماعة يتذاكرون مآثر ومآسي الحسين عليه السلام، فسأل شنو هذولة؟ قالوا له: هذولة يسبون الصحابة! عجيب! يسبون الصحابة! هاي بعد اللافتة الدائمة! فأمر بقتلهم جميعا! شوف العدالة شلون.. شوف الإنصاف شلون.. لا تأكد لا تبين لا تحقق.. قتل مو واحد ولا اثنين.. مجموع! زين فاتخذ من ذلك الوقت حتى يتغير هذا الأمر، اتخذ ذلك اليوم يوم فرح وسرور إلى الآن. قلت لك أنا ما أطول عليك في هذا.. اكتب عاشوراء في المغرب العربي، أي محرك بحث.. شوف شنو يطلع لك.. شوف! رح يطلع لك دمى وألعاب و"بابا عيشور" كما يقولون، يعني مثل مهرج أو كذا وطبل ودق ورقص.. زين والنساء يتزين والأطفال والحلويات تباع والأكلات الخاصة بهذا اليوم؛ باعتبار أنه يوم من أيام الفرح والسرور.