القرآن في نهج البلاغة

يقرأ القرآن ( وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) . وكما أن النموذج الرسالي يعطي عبرة ويثبت النفس . فإن النموذج الخاطئ والمنحرف أيضا يقوم بتحذير الناس من الوصول إلى موقعه ، فهذا بلعم بن باعوراء أوتي علما كثيرا وبينات ولكن : ( َوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) . * فيه دواء دائكم : إن الأدواء والمشاكل النفسية والاجتماعية متشابهة إلى حد كبير ، والذي يعرض على الغير يعرض علينا ، ولعل هذا معنى ما روي عن النبي من أن هذه الأمة لتتبعن أثر

بني اسرائيل حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل .. يعني ستتورط في نفس المشاكل وسيمر عليها نفس التحديات التي مر بها بنو اسرائيل . بل لا بد أن يكون كذلك ، فيه العلاجات المناسبة لهذه الأمة ، فإن معنى أن يكون دليلا وناصحا ومحدثا هو أن يجيب على التساؤلات القائمة في هذا الشأن . * ونظم ما بينكم : إذ يحتاج المجتمع إلى أنظمة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة ، وهذا تتكفل به التشريعات الموجودة في القرآن . ولا يعني ذلك كما سبق القول منا بأن معناه أن يضع القرآن دستورا تفصيليا يحتوي على كل المواد المطلوبة في كل مجال وإنما المقصود هو أنه يضع قيما عامة يستطيع المقننون والباحثون أن يستنبطوا من خلالها مئات الأحكام في كل مجال : إن مثل

( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) في تكريس الاستقلال وعدم الخضوع والتبعية السياسية ، ومثل ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) و ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) في تنظيم الحياة الأسرية والزوجية ، ومثل ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) و( لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) في تنظيم الحياة المالية والاقتصادية .. يمكن للفقيه والمقنن أن يستنبط منها ما يحتاج من نظم وقوانين لإدارة حياة المجتمع . ٢/ مرجعية القرآن في أحكام القضاة : لا شك أن الأصول العامة التي يبينها القرآن والقيم ، ثابتة ودائمة وهذا معنى أن يكون خاتم الكتب السماوية ولذا فاننا نجد أن القرآن الكريم قد ذكر الأطر العامة والقيم الرئيسية أكثر مما ذكر التفاصيل .

نعم قد تختلف تطبيقاتها ومصاديقها من وقت لآخر ومن شخص لشخص بحسب تغير الظروف الموضوعية ، فإن تفاصيل العشرة بالمعروف في زمن هي غير تفاصيلها في زمن آخر وهكذا ، وإن عقود زماننا التجارية تختلف عن عقود صدر الاسلام ، وهكذا . غير أن ذلك لا يعني أن يكون قاضيان وحاكمان في وقت واحد وبلد واحد ، وترد عليهم قضية واحدة فيحكمان فيها بحكم مختلف ، لأن ذلك يعني إما أنهما يعتمدان على مصدرين مختلفين ، والفرض أنهما يعتمدان القرآن وليس فيه اختلاف أو تباين وإما أنهما لا يعملان بطريقة واحدة تمكنها من استكشاف الحكم الصحيح . لقد ذم أمير المؤمنين هذا الاختلاف بقوله : ( ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك

القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا!! وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد . أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه . أم نهاهم عنه فعصوه . أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه . أم كانوا شركاء له . فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه وأدائه والله سبحانه يقول ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) فيه تبيان كل شيء وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) . وإن القرآن ظاهره أنيق . وباطنه عميق .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة