ولا التقصير. ذلك ان المغالي كما سيتبين- لاحقا- لا يغالي إلا وهو مصمم على عدم الاتباع، فيرفع درجة الشخص إلى مراتب لا يدعيها الشخص لنفسه، فيخرجه من حالته البشرية إلى نموذج (إله- أو نصف إله) وحينئذ لا يطالب نفسه بالاقتداء به، وأما المقصر فلأنه لا يعتقد بأن هذا الشخص يختلف عنه كثيراً فلماذا يقتدي به ؟! ويظهر من عدد من الأحاديث إشارات إلى هذين الصنفين، وإن كان التأكيد يكثر في ذم الغلاة، وذلك للخطر الاستثنائي الذي يمثله هؤلاء على العقيدة، ما لا يمثله المقصرون. - فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: يا علي مثلك في هذه الأمة كمثل عيسى بن مريم احبه قوم فأفرطوا فيه وابغضه قوم فأفرطوا فيه، فنزل الوحي (ولما ضرب ابن مريم مثلا
إذا قومك منه يصدون) . - وعن أمير المؤمنين (عليه السلام):- يهلك فيَّ اثنان محب غال ومبغض قال. - وعن أمير المؤمنين أيضا (عليه السلام): يهلك فيَّ رجلان محب مفرط يقرظني بما ليس لي، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني . وكما ذكرنا آنفا فإن الغلو كان الداء الأخطر والأكثر الذي ابتلي به المعصومون عليهم السلام من قبل الجهلة، والخاطئين، وسوف نتحدث عن هؤلاء عند الحديث عن دوافع الغلو وبواعثه. فقد جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال له: سلام عليك يا ربي!! فقال له الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): مالك لعنك الله ربي وربك الله، أما والله لكنت ما علمتك لجباناً في الحرب لئيماً في السلم . واختص أمير المؤمنين (عليه السلام) بمجموعة لم
تستطع إدراك سر عظمته ولم ينته عقلها إلىإمكان وجود هذه العظمة في بشر مثلهم فألهوه، ولذلك احرقهم بالنار. فقد روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) مر عليهم وهم يأكلون في شهر رمضان نهاراً، فقال لهم: أسفر (مسافرون) أم مرضى ؟! قالوا : ولا واحدة منهما !! قال: أفمن أهل الكتاب انتم ؟! قالوا: لا. قال: فما بال الأكل في شهر رمضان نهاراً ؟! قالوا: أنت! أنت.. ولم يزيدوا عن ذلك، ففهم مرادهم، فنزل عن فرسه، فالصق خده بالتراب ثم قال: ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله فاتقوا الله وارجعوا إلى الإسلام فأبوا فدعاهم مرارا، فأقاموا على أمرهم، فنهض عنهم، ثم قال شدوهم وثاقاً وعلي بالفعلة والنار والحطب، ثم أمر بحفر بئرين فحفرتا فجعل احداهما سربا، والأخرى مكشوفة وألقى الحطب
في المكشوفة وفتح بينهما فتحاً وألقى النار في الحطب فدخن عليهم وجعل يهتف بهم ويناشدهم: ارجعوا إلى الإسلام فأبوا فأمر بالحطب والنار، وألقي عليهم فاحترقوا، فلم يبرح واقفا عليهم حتى صاروا حمما . ويظهر أن هذه المجموعة وإن انتهت بأشخاصها إلا أن منحى الغلو استمر لفترات متأخرة حيث نجد رجلا يسأل الإمام الرضا عليه السلام محتجا بقول ينتهي إلى الغلو في أمير المؤمنين وسيأتي نص جواب الإمام عليه السلام. ويظهر أن الإمام الصادق عليه السلام قد ابتلي أيضا بفئة أخرى من هؤلاء الغلاة، فقد قام بعضهم يلبي باسم الإمام (يقولون لبيك) فلما أخبر بذلك خر ساجدا إلى الأرض وهو يبكي، ويلوذ بإصبعه ويقول: بل عبد الله، قنّ داخر، يقول ذلك مراراً كثيرة ثم رفع رأسه ودموعه تسيل على لحيته، قال
مصادف (احد مواليه) فندمت على إخباره، وقلت له: جعلت فداك وما عليك أنت من ذا ؟! فقال: يا مصادف إن عيسى لو سكت عما قالت النصارى فيه لكان حقا على الله أن يصم سمعه ويعمي بصره، ولو سكت عما قال ابو الخطاب (احد الغلاة) لكان حقا على الله أن يصم سمعي ويعمي بصري . وهكذا الحال نجد أن عددا من الانتهازيين ممن صنعوا مذهب الواقفة، اضطرهم ذلك إلى القول باستمرار حياة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام تلك لم تكن إلا نماذج لأنماط غلو الجهال في حياة المعصومين عليهم السلام ننطلق منها للحديث عن دوافع الغلو، وعوامله. عوامل نشوء الغلو (١) عدم المعرفة أو المعرفة الناقصة: المراقب لموقع المفاهيم في الثقافة الإسلامية يجد أن المعرفة الصحيحة تحتل أهم المواقع، فحركة