الإنسان الحياتية مرهونة في صحتها أو خطئها بالمعرفة التي يحملها، إذ (ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة)، ولهذا السبب يقيم المرء طبقاً لمعرفته، قبل تقييم عمله، فكم من عامل يجهد نفسه في العمل ولكنه يخطى الاتجاه لأنه ناقص المعرفة ولذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ( لا تستعظمنّ أحدا حتى تستكشف معرفته)، ويتم تصنيف الاتباع لا على مقدار ممارساتهم العبادية فقط، وإنما على قدر معرفتهم ويقينهم (اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم)، بل إن العبادة تختلف فهي من العارف أفضل في قيمتها عن عبادة قليل المعرفة أو الشاك إلى درجة أن يكون (نوم على يقين خير من عبادة على شك). وأثر المعرفة في السلوك والعمل يدرك بملاحظة آثار الجهل الوخيمة في حركة الإنسان ذلك انك (
لا ترى الجاهل إلا مفرطاً أو مفرطاً) . وكما أن المعرفة الصحيحة تؤثر في (حركة) الإنسان، فإن تأثيرها في (عقيدته) اكثر أهمية. ذلك أن العقيدة هي الإطار العام لحركة الإنسان، بل هي محتوى حياته. وبقدر ما تكون عقيدته سليمة، تكون حياته سعيدة، لذلك أمر الله الناس بالاستجابة لرسله لأنهم يدعون البشر إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم وحياتهم (يا أيها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ). ونحن نجد أن من أهم الدعوات التي يسألها المؤمن ربه، دعوات المعرفة (اللهم عرفني نفسك فانك إن لم تعرفني نفسك لم اعرف نبيك، اللهم عرفني نبيك فإنك إن لم تعرفني نبيك لم اعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني). وهذا التسلسل البديع في معرفة الله،
ثم معرفة الرسول ثم معرفة الحجة والإمام، يبين احد الأسباب التي ضل لأجلها من ضل إذ انهم في إحدى حلقات هذه السلسلة لم يتوفقوا للمعرفة الصحيحة والكاملة، فالذين لم يعرفوا الله حق معرفته، لم يقدروه حق قدره، فانحرفوا عن الجادة من بدايتها، وأولئك الذين لم يعرفوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يسلموا له لذلك أعلنوا عليه الحرب، وأولئك الذين لم يعرفوا الإمام معرفة صحيحة انقسموا إلى (محب غال ومبغض قال). في هذا المجال وجدنا أن عدم المعرفة نهائيا أو المعرفة الناقصة أدت بهؤلاء الناس إلى الغلو، خصوصا انهم جهلوا أسرار الفضل والتفوق في شخصيات المعصومين فرفعوا المعصومين (عليهم السلام) فوق مرتبة البشر (الأمر الذي لم يكن يدعيه المعصومون بل يلعنون من يصنع ذلك). هؤلاء لم يستطيعوا الجمع بين
(بشرية) الأنبياء والأئمة، وبين (جامعيتهم) للمناقب والفضائل فسلكوا احد طريقين لإراحة البال من عناء التفكير والجمع بين هاتين النقطتين المشكلتين فالبعض سلك طريق التفريط والتقصير، فكذب ما ورد بحق تلك الصفوة من البشر، زاعما أن ما ورد أكاذيب، وانه لا فرق بينهم وبينه، فكيف لا يستطيع هو أن يتخلص من قيود الهوى وأغلال المادة بينما يستطيع أولئك التحليق في سماء الفضائل، وهكذا وجد (المبغض القالي)، والبعض الآخر أراح نفسه بان أوجد تبريرا يرضي به ضميره، وذلك بأن اعتقد أن هؤلاء لا يحملون هذه الصفات، ولا يتمثلون تلك الفضائل إلا وهم يحملون روحاً أخرى (إلهية مثلاً) وإنهم ليسوا بشرا، إذ البشر يخضع للهوى والجسد، ويحد بحدود الزمان والمكان، وهؤلاء ليسوا محدودين!! وهكذا نشأ (المحب الغالي)، الذي صدق ولكنه لم يستطع أن
يعرف وان يوفق بين بشرية المعصومين وجامعيتهم للفضائل. (٢) الأحاديث المتشابهة: في القرآن الكريم توجد ( آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات ) والمحكمات هي التي يستطيع الغالب فهمها ومعرفة مؤدياتها ومعانيها، بينما المتشابهات تلك التي لا يستطيع معرفة معانيها غير من أنزلت عليهم والراسخين في العلم، وكل ذلك بتعليم الله سبحانه. ووظيفة عموم الناس في ما يرتبط بالمتشابهات ردها إلى الله ثم إلى الرسول وخلفائه والعمل بهذه الآيات المتشابهات- من قبل الرجوع إلى الله وإلى الرسول- ليس فقط لا يهدي بل يوبق ويهلك. وكما في القرآن الكريم آيات محكمة وأخرى يغلق فهمها على غير الراسخين في العلم، كذلك في الأحاديث والآثار، فمنها ما يستطيع فهمه غالب من يسمعه ومنها ما لا يستطيع إلا العلماء. وكما كانت وظيفة العموم