رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في بيت عند الصفا ومعه أصحابه يتحدثون، فأخبره الخبر فجاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أبي طالب، فقال له: _ يا ابن أخي أين كنت؟! أكنت في خير؟! فأجابه: نعم، فقال له: - ادخل بيتك. فدخل الرسول( صلى الله عليه وآله وسلم) فلما أصبح أبو طالب غدا على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذ بيده على أندية قريش ومعه الفتيان والمطلبيون فقال: _ يا معشر قريش ! هل تدرون ما هممت به؟! قالوا: لا . فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عمّا في أيديكم، فكشفوا فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة، فقال لهم: لو قتلتموه ما بقيت منكم أحداً حتى نتفانى نحن وأنتم. فانكسر القوم
وكان أشدهم انكساراً أبو جهل . وبقدر ما هبطت الذلة رؤوس زعماء قريش، فقد مضى أبو طالب بالنبي( صلى الله عليه وآله وسلم) عزيز الجانب، مرفوع الهامة وهو يقول: اذهب بني فما عليك غضاضــة اذهب وقر بذاك منك عيــونا والله لن يصلوا إليك بجمعــهم حتى أوسد في التراب دفــينا ودعوتني وعلمت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت قبل أمينا وذكرت دينـاً لا محــالة أنه من خير أديان البرية ديــــنا ولما رأت قريش أن الرسول في حصن منيع من القتل، وأنه لا يتم لهم ذلك مادام أبو طالب موجوداً، فتحولوا إلى طريق آخر وهو تصفية الشخصية والاغتيال الاجتماعي، عبر زيادة وتيرة الاستهزاء والسخرية، والإسقاط فكان طريقه( صلى الله عليه وآله وسلم) يمتلئ بالأشواك والحجارة، وبيته المجاور لبيت أبي لهب مكاناً كان هدفاً
للأوساخ ولم يكن وحده في ذلك بل تساعده في ذلك ( امرأته حمّالة الحطب). ولم يكن دور أبي طالب في هذا الصعيد أقل من سابقه. وفي المسجد الحرام، وحيث يصلي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم)، جلس أبو جهل ومعه عدد من القرشيين، فلما دخل النبي في الصلاة، قال أبو جهل: _ من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثاً ودماً فلطّخ به وجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فانفتل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم) من صلاته، ثم أتى عمه أبا طالب: _ يا عم ألا ترى ما فعل بي؟! . _ من فعل بك هذا؟! سأله عمه. _ عبد الله بن الزبعرى. وانتهضت في أبي طالب حمية الدين الهاشميّة،
وقام حاملاً سيفه على عاتقه ومشى معه، حتى أتى القوم، فلما رأوه قد أقبل جعلوا ينهضون، فقال لهم: _ والله لئن قام رجل جلّلته بسيفي. فقعدوا حتى دنا إليهم، وقال ( للنبي): يا بني من الفاعل بك هذا؟! . فقال: عبدالله بن الزبعرى.. فأخذ أبو طالب فرثاً ودماً فلطّخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول.. ولك أن تتصور عزيزي القارئ" سادة" قريش وقد رجع كل واحد منهم إلى منزله وقد تخضبت لحيته، وتلطخت ثيابه من الدماء الفاسدة. وإذ يؤمن حمزة أخوه برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم)، يقوى جانب الرسول فيسر ذلك أبا طالب، ويمرّ على أخيه مشجعاً إياه على الالتزام بدين الرسول، وإظهار ذلك، وإشهاره أمام الناس قائلاً له: فصبراً أبا يعلى على دين أحمد وكن
مظهراً للدين وفقت صـــابراً وحط من أتى بالحق من عند ربه بصدق وعزم لا تكن حمزُ كـــافرا فقد سرني إذ قلت أنك مؤمن فكن لرسول الله في الله ناصراً وباد قريشاً بالذي قد أتيته جهاراً وقل: ما كان أحمد ساحراً وأطلقت قريش آخر سهم في كنانتها، المساومة، بعد أن فشلت المناوأة.. _ يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولداً فهولك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالفك دينك ودين آبائك. وفرّق جماعة قومك وسنة أحلامهم، فنقتله فإنما هو رجل برجل. كان بريق النجاح يطلّ من عيون القادمين إلى أبي طالب وهي تلتقي، فما هي إلاّ ساعة من النهار حتى يحتفلوا بنخب قتل الرسول، إذ لم يكن يخالجهم أدنى