لو نظرنا إلى هذا البرنامج الذي حدث للكون وللبشر، فالله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون وأنشأ البشر وبعد ذلك طلب منهم طاعته وعبادته، أرسل رسله إليهم لأجل إرشادهم، فما نهاية هذا المطاف؟ نهايته أحد أمرين: أما يكون لا حساب ولا ثواب وإنما تكون القضية كما قال بعضهم: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، فهذا الكلام ينتهي إلى عبثية الخلق لأن الله سبحانه وتعالى عندما خلق هذا الخلق لأجل العبادة وبعض الخلق فعلوا وبعضهم لم يفعلوا ولذلك لا بد أن تكون هناك نتيجة للفاعل ونتيجة ومغايرة للعاصي، فلو تصورنا ان الإنسان المؤمن المتقي الطائع يعيش حياته ثم ينتهي به الأمر دون شيء ومن دون مكافأة وعطاء وقد يكون كما هو حاصل في هذه الدنيا أن الإنسان
الطائع قد لا يحصل إلا على العناء والتعب والجهد إن لم يحصل على أكثر من ذلك من الظلم والاضطهاد وقد يعذب مثل عذابات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد كانوا يوضعون في اليوم القائض بعد أن يلبسوا أدرع الحديد ثم يوضعون على الرمال الساخنة ويجلدون ويضربون وهم مؤمنون ثم ينتهي بهم الامر ان يموتوا تحت التعذيب، وفي المقابل ذلك الآخر الطاغي الجبار السفاك السفاح الذي في بعضهم كما حصل ويحصل يشرد شعباً كاملاً ويقتل عشرات الآلاف من الناس ويهجر مئات الآلاف من البشر ويرتكب كل محرم يستطيعه فيأتي هكذا يموت بدون أي شيء ولا عقاب ولا حساب. فهذا من أوضح أنواع العبث وقد نفينا قبل قليل بمقتضى دليل الحكمة الإلهية بان الله سبحانه وتعالى حكيم فلا يصدر
منه أي نوع من أنواع العبث تنزه الله وتعالى عن ذلك، ونحن نلاحظ ان حكمة الله تظهر في ادق الأشياء وأصغرها كما يوصف نفسه باستمرار أنه حكيم عليم وانه عزيز حكيم وغير ذلك، هذه صفة الحكمة الدائمة وهي مما استقرت عليه العقول أيضاً قبل أن يكون وحياً إلهياً فالله عز وجل حكيم للغاية بما لا يستطيع اللسان التعبير عنه. إذاً أولاً: فإن دليل الحمة الإلهية يقتضي بأن يكون هناك يوم يحاسب فيه المسيء على إساءته ويلقى جزاء عمله، وأن يكون هناك يوماً يثاب فيه المحسن على إحسانه وإطاعته وليس ذلك إلا يوم القيامة والمعاد والرجوع والحشر فيها بالتفاصيل التي ذكرتها الآيات القرآنية والروايات المتواترة عن المعصومين عليهم السلام. الأمر الثاني والدليل الثاني الذي يستدلون فيه هو دليل العدل الإلهي، فقد
ذكرنا فيما سبق أن الإمامية يقيمون للعدل مرتبة متميزة مع أن العدل صفة كسائر الصفات كصفة الحياة ((الله لا إله إلا هو الحي القيوم))، وكصفة القيومية والرزاقية وصفة الغفور والرحيم وكذا سائر الصفات فهم أيضاً عدل، لكن الإمامية أفردوا لصفة العدل مساحة خاصة ولذلك ربطوها بالتوحيد وجعلوها من أصول المذهب التي يتميز بها عن سائر المذاهب الأخرى، فقالوا ان الأصول خمسة: التوحيد ويتبعه العدل، والنبوة ويتبعها الإمامة ثم المعاد، فهذه خمسة أصول، فقد أفردوا للعدل هذه المساحة وجعلوه أصلاً أصيلاً لما له من مواضع كثيرة في الاستدلال على صفات الله عز وجل وعلى جملة من الأمور، كالجبر والاختيار انت تحتاج إلى العدل، في القضاء والقدر انت تحتاج إلى العدل، في يوم القيامة كذلك أنت تحتاج إلى العدل وهكذا في موارد
أخر، فتقريب استدلالهم بالعدل هكذا ان الله سبحانه وتعالى عدل لا يجور. مساواة المخطئ مع المحسن في أصلها الأولي هو ظلم وجور لا يمكن أن يكون من الله عز وجل، فلو أن الله تعالى خلق الناس في هذه الحياة وطلب منهم ان يجتنبوا المعاصي ويعملوا الواجبات، ثم جاء هذا الإنسان وعصى ربه وغرق في المعاصي فسرق وزنا وآذى وظلم وارتكب المنكرات فتحول إلى كتلة من الانحراف والإجرام، وفي المقابل ذاك الإنسان الصالح المؤمن المتدين الذي عانى من اجل دينه الكثير، ففي الدنيا نجد ان العادة لا يقتص لا من هذا ولا من ذاك لأن هذا المجرم يكون محمياً من أنصاره الذين يدافعون عنه وقد رأينا حاضراً وماضياً ما الذي جرى بالنسبة إلى هؤلاء المجرمين فالنادر منهم من حصل جزاءه في