المكان، مكان معلم ومعروف، وكان يشير إليهم، فكان قبر الإمام علي فيما بين بني هاشم وأولاد الأئمة وقسم من أصحابهم معروف، وأما بعد مجيء هارون العباسي على أثر قضية معينة مشهورة عُرف قبر أمير المؤمنين لجميع الناس، لأنه لاذت به إحدى الظباء من صياد أراد أن يصطادها، فلاذت بذلك القبر، وبالتالي عُرف، سئل ما هذا؟ فقيل هذا قبر علي، ويتوارث الخبر فيه واحدا بعد واحد. فأُخفي قبر الإمام عليه السلام مدة معينة من الزمان لغرض معين، الإمام السجاد كان يعلم وأخبر عنه، الإمام الباقر يعلم وأخبر عنه، الإمام الهادي عنده الزيارة الغديرية المفصلة لما ذهب إلى سامراء مر على قبر أمير المؤمنين، وهناك أيضا زار أمير المؤمنين بهذه الزيارة، فضلا عن سائر الأئمة عليهم السلام. لكن قبر فاطمة عليها السلام
لم يُخبر أمير المؤمنين عنه، ولا الحسنان أخبرا، ولا الأئمة المعصومون إلى الإمام العسكري صلوات الله وسلامه عليهم أخبروا، يعني حوالي (٢٤٠) أو (٢٥٠) سنة ظل هذا القبر مخفيا، ولا يزال إلى يومك هذا لا يستطيع أحد أن يقول هذا بالتحديد قبر فاطمة عليها السلام، في البقيع يمكن، بجنب بيت رسول الله يمكن، عند الروضة يمكن، بعيد من ذلك يمكن، لا أحد يعلم، ولا يستطيع أحد أن يضع يده في مكان ليقول إن هذا هو قبر فاطمة، الغرض ما هو؟ الغرض أن يبقى ذلك شاخصا لمظلوميتها صلوات الله وسلامه عليها، وحزنها وغضبها على من ظلمها حقها، وهذه وصية أمير المؤمنين عليه السلام. في إجراءات الدفن، في إجراءات الصلاة، أيضا نفس الكلام، الزهراء عليها السلام أمرت ألا يُؤْذَن القوم بجنازتها ولا
بالصلاة عليها، مع أن الاستحباب الشرعي ليس بهذا الشكل، في الحالة العادية يستحب إذا مات ميت من المسلمين أن يُندب المسلمون، تعالوا، شيعوه، صلوا عليه، إلى آخره، الزهراء ترى أن هذا الجانب أهم من قضية ذلك الاستحباب، حتى لا يقال إن الأمور كلها طيبة، وكانت زعلانة قليلا، كما قال بعضهم الزهراء زعلت قليلا، وبعد ذلك لما تبين لها أنها مشتبهة في قضية الميراث رضيت وترتبت الأمور وحضروا الجنازة وصلوا عليها، لا، لا، فاطمة تريد أن تقول إنها تعلن للجميع أنها غاضبة، أنها واجدة، أنها غير راضية. بل إن بعض النساء مثلا لما قضت فاطمة عليها السلام أرادت أن تحضر لكي تلقي نظرة الوداع عليها، وكانت أسماء بنت عميس هذه المرآه الصالحة، زوجة جعفر الطيار في البداية، ثم زوجة أبي بكر،
ثم زوجة أمير المؤمنين عليه السلام، أسماء بنت عميس كانت هي التي شهدت شهادة الزهراء، وأخذت منها، وسمعت منها وصاياها، وهي التي أخبرتها عن قضية النعش الذي رأته في الحبشة، والتي يستر بشكل عام حجم البدن، لأن الزهراء عليها السلام كانت لا تريد أن يُعْرَف حجم بدنها، المبالغة في أمر التستر حتى وهي في حالة الموت، فلما بعض النساء أردن أن يلقين نظرة الوداع حسب التعبير على الزهراء عليها السلام، رفضت أسماء بنت عميس، لماذا؟ قالت أنا موصاة، فقيل في ذلك للخليفة الأول الذي كان زوج أسماء بنت عميس أن هذه زوجتك تمنع بعض النساء من الدخول على فاطمة حتى يروها ويودعوها، فجاء الخليفة إلى أسماء وقال أصحيح ما يقولون أنه تمنعينهن؟ قالت بلى، لأن فاطمة قد أمرتني بذلك، لا
تدعين بعض النساء أن يدخلن علي لأنه أنا غاضبة، أنا واجدة، أنا حزينة، أنا غير راضية، فلا يأتي أحد مثلما يقولون (يقتل القتيل ويمشي في جنازته). وهكذا عندما أُريد أن تسترضى، ودخل عليها أشاحت بوجهها إلى ناحية الجدار، وأشهدتهم على أنها غير راضية، وأنها واجدة، وهذا بالنسبة لمن كان له قلب يجب أن يكون منتبه، هذه فاطمة عند الجميع حديث (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، أما أنها ماتت بلا بيعة لإمام، وإما أنها لا تعتقد بمن هو موجود أنه إمام وأنه ينبغي بيعته، فماتت حين ماتت وهي واجدة صلوات الله وسلامه عليها، وأعلنت مرارا وتكرارا عن هذا الغضب، وهذا الحزن، وهذا الأذى الذي تعرضت إليه، وهو شيء ليس بالقليل الذي جرى عليها بأبي وأمي.