معرفة العقائد بخطبة الزهراء عليها السلام
كتابة الأخ الفاضل علي السعيد
نعزي رسول الله صلى الله عليه وآله، والعترة الهادية، ثم مراجع الدين، وعامة المؤمنين، وخصوصا من حضر في مجلسنا هذا، بشهادة سيدة نساء العالمين، أمي أبيها، حليلة الوصي، فاطمة صلوات الله وسلامه عليها، ونسأل الله الذي أكرمنا بمعرفتها، أن يكرمنا بشفاعتها في الآخرة، إنه على كل شيء قدير. ونتبرك بذكر بعض ما يتصل بها مما يقتضيه المقام والزمان، مراعين للاختصار إن شاء الله بقدر المستطاع، مع أن الحديث عن فاطمة عليها السلام، ومنازلها، ومقاماتها، وشأنها، وسيرتها، وجهادها، يتطلب الكثير من الوقت والليالي، لكن نذكر ما يتيسر في هذه الليلة إن شاء الله، ونركز على موضوع خطبة السيدة الزهراء سلام الله عليها. في بداية الحديث أشير إلى أمر لعله يكون صالحا، وهو أننا لو استطعنا أن نشيع حفظ خطبة السيدة الزهراء
عليها السلام في المجتمع، فإن فيها من المعارف الدينية ما لا يحده حد، هي قطعة بلاغية استثنائية، فإنه لو أراد أحد أن يتكلم عن المواضيع التي تكلمت عنها السيدة الزهراء عليها السلام بنفس المعاني والمضامين لاحتاج إلى مجلدات لكي يتحدث ذلك المقدار الذي تحدثت عنه صلوات الله عليها في حدود (٥) صفحات من صفحات الكتب الآن، وذلك لأن في كل جملة منها، بل في كل كلمة أحيانا لفتة أو إشارة أو معنى يحتاج إلى التأمل الكثير فيه، فهي قطعة بلاغية متميزة للغاية، الذي يحفظها، والذي يتدارسها، ينطق في داخله عنصر البلاغة والأدب، هذا واحد. بالإضافة إلى ذلك هي دورة معرفية واسعة، فيها مباحث حول توحيد الله عز وجل، والغاية من الخلق، وصفات الله وأسمائه، عندما تبدأ: "الْحَمْدُ للهِ عَلى ما
أنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ على ما أَلْهَمَ، وَالثَّناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمومِ نِعَمٍ ابْتَدَأها، وَسُبُوغ آلاءٍ أسْداها، وَتَمامِ مِنَنٍ والاها، جَمَّ عَنِ الإحْصاءِ عدَدُها، وَنأى عَنِ الْجَزاءِ أَمَدُها، وَتَفاوَتَ عَنِ الإِْدْراكِ أَبَدُها، وَنَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بالشُّكْرِ لاِتِّصالِها، وَاسْتَحْمَدَ إلَى الْخَلايِقِ بِإجْزالِها، وَثَنّى بِالنَّدْبِ إلى أمْثالِها". وتكمل: "وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإِْخْلاصَ تَأْويلَها، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَأَنارَ في الْفِكَرِ مَعْقُولَها. الْمُمْتَنِعُ مِنَ الإَْبْصارِ رُؤْيِتُهُ، وَمِنَ اْلأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ الأَوْهامِ كَيْفِيَّتُهُ. اِبْتَدَعَ الأَشَياءَ لا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَها، وَأَنْشَأَها بِلا احْتِذاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَها، كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَها بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إلى تَكْوينِها، وَلا فائِدَةٍ لَهُ في تَصْويرِها إلاّ تَثْبيتاً لِحِكْمَتِهِ، وَتَنْبيهاً عَلى طاعَتِهِ، وَإظْهاراً لِقُدْرَتِهِ، وَتَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وإِعزازاً لِدَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ على طاعَتِهِ، وَوَضَعَ
العِقابَ عَلى مَعْصِيِتَهِ، ذِيادَةً لِعِبادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ، وَحِياشَةً مِنْهُ إلى جَنَّتِهِ". وهكذا تخوض في المباحث التوحيدية العميقة جدا إلى درجة أن تقديم كلمة على كلمة عند العلماء العارفين يكون مؤثرا بين أن تقول: "اِبْتَدَعَ الأَشَياءَ (مِنْ لا) شَيْءٍ كانَ قَبْلَها"، أو أن تقول: "اِبْتَدَعَ الأَشَياءَ (لا مِنْ) شَيْءٍ كانَ قَبْلَها"، فرق كبير يتحدث عنه العلماء. فأحيانا ليست فقط بس الجملة تختلف أحيانا من (لا مِنْ) أو لا (مِنْ لا)، هذا يشكل فارقا كبيرا جدا، ففيها معارف توحيدية عالية، فيها نفي لرؤية الله عز وجل، فيها نفي حتى للتصور، تصور الذات الإلهية بالرغم من أن قدرة الإنسان على التصور واسعة جدا، الآن لو تقول مثلا (جبل)، بسرعة في ذهنك، ذهنك يشكل صورة للجبل، تقول (بحر) بسرعة يرسم ذهنك صورة بحر، وهمك
يستطيع أن يخلق الصور، بالنسبة إلى الله عز وجل لا يمكن لذهن الإنسان أن يخلق صورة عنه، تقول (الله) لا تستطيع أن تصنع شيئا في ذهنك، ففيها معارف توحيدية. فيها معارف عن رسول الله صلى الله عليه وآله، عندما تقول: "وَأَشْهَدُ أنّ أبي مُحَمَّداً صلّى الله عليه وآله عبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اخْتارَهُ وَانْتَجَبَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمّاهُ قَبْلَ أنِ اجْتَبَلَهُ، وَاصْطِفاهُ قَبْلَ أنِ ابْتَعَثَهُ..."، هذه فيها معاني كثيرة، ووصفها للحالة التي كان عليها المجتمع العربي بل المجتمع الإنساني قبل مجيئي رسول الله و نبوته ورسالته، وهو وصف في غاية الدقة والتفصيل لجهات متعددة، أحيانا الإنسان يصف مثلا الحالة الاقتصادية، أحيانا الحالة الاجتماعية، أحيانا الحالة الدينية، والزهراء عليها السلام في كلمات مختصرة جدا وصفت كل هذه الحالات، وأحاطت بها، كل واحد أعطته