خطة الإمام الحسن والتسديد الإلهي
كتابة الفاضل علي السعيد
حديثنا بإذن الله تعالى، يتناول مخطط الإمام الحسن المجتبى صلوات الله وسلامه عليه في نصر الدين، وفيما حققه في هذا السبيل، بطبيعة الحال لابد أن يتم التعرض إلى موضوع الصلح باعتبار أنه أول حدث كبير حصل في أيام الإمام المجتبى عليه السلام، فبعد أن أُسْتشهِد أمير المؤمنين عليه السلام، وآلت الإمامة الواقعية والخلافة الظاهرية أيضا إلى الإمام الحسن المجتبى، تمرد معاوية بن أبي سفيان كما تمرد على أبيه عن التسليم لهذا الأمر، وكان لابد من المواجهة العسكرية التي بدأها والده أمير المؤمنين عليه السلام في صفين، كان لابد أن يستمر فيها الإمام المجتبى عليه السلام، لكن حصلت ظروف مختلفة انتهت إلى موضوع المصالحة. هنا لابد أن نشير إلى أن اختيار الإمام الحسن المجتبى عليه السلام لموضوع المصالحة أو المهادنة كان
بلا ريب تسديدا إلهيا وربانيا، لماذا نقول هذا الكلام؟ لأسباب: السبب الأول: إننا نجد في روايات أهل البيت عليهم السلام الكثير في كتاب الكافي أبواب الحجة فصلا خاصا في أن الأئمة عليهم السلام لا يتحركون من تلقاء أنفسهم، فلا يختار الحسين عليه السلام المواجهة إلى درجة الاصطدام العسكري والشهادة لأنه يحب هذا الشيء، أو لأنه بادئ رأيه هكذا، وإنما هو أمر معهود إليه، ولا يختار الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام بث العلم في الأمة لظروف خارجية فقط، وإنما هو أساس مخطط إلهي، وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر الأئمة عليهم السلام، وقد عبر عن هذه الفكرة في روايات أهل البيت بأن هناك عهدا بين الله عز وجل وبين أئمة الهدى عليهم السلام، وأن لكل واحد منهم كتابا يعمل فيه بحسب
ذلك العهد، هذه الروايات كثيرة في هذا المعنى، بحيث يكاد يمكن القول بأنها متظافرة كثيرة، تعطي هذا المعنى أن أئمة أهل البيت عليهم السلام لا يقترحون من أنفسهم شيئا يقومون به، وإنما هو أمر إلهي، وتوجيه رباني، وتسديد من عالم الغيب، فهذا واحد من الأمور التي تشير إلى أن لجوء الإمام الحسن المجتبى عليه السلام إلى المصالحة والمهادنة لم يكن اقتراحا، ولم يكن انفعالا، ولم تكن الظروف أجبرته على ذلك، وإنما هو في الأساس أمر وتسديد إلهي، هذا واحد، روايات كثيرة تفيد هذا المعنى. السبب الثاني: نحن الإمامية نعتقد أن أئمة أهل البيت عليهم السلام معصومون عن الخطأ والسهو والنسيان، فضلا عن الكذب والذنب، نعتقد هذا، وقد أقيمت عليه البراهين في باب العقائد والكلام، أن الإمام يكون معصوما حتى عن
السهو، معصوما حتى عن النسيان، معصوما حتى عن الأخطاء الخارجية، حتى في بعض الأحاديث، وهذه كلها أمور جزئية، مع ذلك فإن الأدلة قامت عصمتهم منها، في هذه الأمور الجزئية التفصيلية هم معصومون، في الخط العام الأساسي آلا يكونون معصومين ومسددين؟ هذا مثلا، أنا أفترض أن شخصا أعطيه مكانا، وأقول له إلى فلان، الشوارع الفرعية هي كذا وكذا وكذا، بس الطريق الأساسي لا أعطيه في الخارطة، هل هذا معقول؟ الطريق الأساسي هو الأهم، الاتجاه العام هو الأهم، المخطط الكلي هو الأهم، حسب تعبير المعاصرين الاستراتيجيات هي الأهم، أما التفاصيل والتكتيكات فهي أقل أهمية، فإذا قام الدليل على أن الأئمة مسددون ومعصومون في القضايا التفصيلية والجزئية، فمن باب أولى أن يكونوا معصومين في الخط العام، الخط الإستراتيجي والطريق الأساسي الاختيار الأول، هذا
يقتضيه حكم العقل بعدما ثبت للأئمة عليهم السلام العصمة في الأمور التفصيلية، هذا الأمر الثاني. السبب الثالث: إننا نعتقد أن الأئمة عليهم السلام بغض النظر عن هذين الأمرين، هم من أكمل الناس رأيا وعقلا وحكمة، وهذا في العادة ينتج أن يتجه الإنسان بالاتجاه الصحيح، بناء على هذا، ما اختاره الإمام الحسن المجتبى عليه السلام من قبول المهادنة والمصالحة مع جيش الشام وأهل الشام، كان هو الخيار الإلهي الرباني، وكان ضمن التسديد المعصومي الذي يثبت لهم، وكان أيضا ضمن ثبوت الحكمة العالية والعقل الكامل الذي تميز به أئمة أهل البيت من آل محمد. دعنا نرى بعد هذا ما الذي حصل؟ ماذا نتج عن مثل الأمر، النتائج التي تحققت من هذا الاختيار كثيرة جدا، وهي: النتيجة الأولى: هذا ما كان ليحصل أبدا