لولا مصالحة الإمام عليه السلام، ولم يكن حاصلا حتى في زمان أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، مع أفضليته على ابنه الحسن عليه السلام. أولا: حصل لأول مرة التداخل العلمي بين الحجاز والعراق والشام، وهذا أمر في غاية الأهمية، الأمويون من سنة ١٧هجرية حينما ولى الخليفة الثاني يزيد بن أبي سفيان، أخ معاوية بن أبي سفيان على الشام، منذ ذلك اليوم إلى سنة ٤٠ هجرية، كان أمر معرفة أهل البيت عليهم السلام ممنوعا على الشاميين، كان هناك حصار ثقافي علمي يمنع نفوذ أي حديث من المدينة يرتبط بأهل البيت عليهم السلام، أي ثقافة من العراق ترتبط بالتشيع، كان لا يسمح بذلك، وحتى لما نُفِي أبو ذر الغفاري إلى الشام نفيا وعقوبة من قبل الخليفة الثالث، لم يقبل معاوية أن يبقى
في الشام، وإنما أبقاه فترة قصيرة جدا ثم رده إلى المدينة، ونُفِيَ من جديد إلى الربذة، لماذا؟ لأن هذه المنطقة، منطقة الشام محاصرة ثقافيا وعلميا، لا يجب أن تأتي فيها أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل أهل البيت عليهم السلام، في فضل أمير المؤمنين عليه السلام، في الإسلام الحقيقي، يجب ألا تتغدى إلا على طعام أموي بالكامل، واستمر هذا من سنة ١٧ هجرية إلى سنة ٤٠ هجرية، حوالي ٢٣ سنة، ٢٣ سنة معناها جيلان، الجيل الذي كان كبيرا انتهى، والجيل الجديد هذا الجيل الجديد لم يعرف علي بن أبي طالب ولا الحسن وفضائلهما، من أين يعرف الناس؟ إنما يعرفون من خلال المعلمين والمحدثين، وهؤلاء كانوا ممنوعين من الوصول إلى الشام ومن الحديث فيه، الآن بعد
حدثت قضية الصلح والمهادنة انفتحت الحدود، لم تبق هناك في هذا الأمر، فأصبح الحديث المدني، والحديث العراقي، وفضائل أهل البيت عليهم السلام تذهب إلى الشام، وهؤلاء المحدثون مثلا الآن نفترض خطيبا هنا في بلدي قد لا يكون عنده مجلس يذهب إليه فيذهب لبلد آخر، هذا محدث الآن حدث في المدينة طول هذه المدة يبحث له عن سوق جديدة، يستطيع أن يُحَدِّث فيها، العلماء الذين كانوا في العراق رأوا الآن في الشام هناك من يريد أن يُحَدِّثهم بهذه الأمور، فصار هناك الكثير من الأحاديث عن أهل البيت عليهم السلام، ومن ذلك ما ذكره أبو العباس بكار الضبي، متوفى سنة ٢٢٢، لديه كتاب بعنوان (الوافدات والوافدون على معاوية بن أبي سفيان)، هذا جاءت فيه قائمة من الذين جاؤوا أو جاء بهم معاوية
إلى الشام، هؤلاء مع أنهم قد جلبوا قسما منهم من أجل توبيخهم، إلا أنهم قد نشروا فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وصفاته في قصر معاوية، وأمام الناس، وأمام هؤلاء جميعا، ونقلت أخبارهم إلى حد أنها سارت بها الركبان، وكتبت فيها الكتب، هذا نموذج من النماذج التي نقل فيها حديث العراق، حديث الشيعة، حديث العارفين بأحوال أمير المؤمنين عليه السلام، وأهل البيت عليهم السلام إلى بلاد الشام، والذي يراجع كتاب تاريخ دمشق للحافظ الشافعي ابن عساكر، يجد عددا كبيرا من المحدثين حدثوا بفضائل أهل البيت عليهم السلام، وبمناقب أمير المؤمنين عليه السلام على وجه الخصوص في الشام، مع أن أصولهم كانت عراقية أو أصولهم مدنية، هذا لم يكن ممكنا حتى كما قلنا في زمان أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه كان هناك
منع من قبل الأمويين على أن أي شخص يأتي إلى الشام من العراق أو من المدينة يُحَدِّث بأحاديث من هذا النوع، لم يكن مسموحا له أصلا بأن يأتي إلى هذا المكان، الآن أنتم تزعمون أن هذه خلافة لكل بلاد المسلمين، وأن الوالي على الشام هو والٍ على جميع المسلمين، والإنسان ينتقل بين المدينة وبين الشام في دولة واحدة، بين العراق وبين الشام في دولة واحدة، هذا أمر لم يكن ليحصل لولا مثل هذه المهادنة التي حصلت، هذا واحد من الأمور. الأمر الثاني: الاشتراطات التي وضعها الإمام الحسن عليه السلام، وسنأتي إلى قراءة سريعة فيها بعد قليل، بالرغم من أن الفكرة العامة أن معاوية في اليوم الثاني أن كل شرط شرطته للحسن فهو تحت قدمي هاتين، لكن هذا الكلام لا يوافق