من الفكرة المجردة ، ولذلك ضربت الامثال في القران الكريم كثيرا لعلهم يتفكرون ، لعلهم يتذكرون ، كلما مر الانسان بهذا المثل انتقل بسرعة الى الفكرة التي هي من وراء المثل فيقول القران الكريم لرسول الله ص واله " اضرب لهم مثل الحياة الدنيا .. ماهو مثل الحياة الدنيا ؟ " كماء انزلنه من السماء ، فاختلط به نبات الأرض " اذا ماء نزل من السماء واختلط بنبات الأرض ، مالذي يحصل ؟ تنتعش هذه الزهور ، تنمو هذه الازهار ، تحصل تلك الثمار ، وفي اية أخرى يقول جل جلاله " حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ " وفي مكان ثالث يقول عزوجل " وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ " على اثر نزول هذا الماء من السماء ، وفي
الاية الأولى يذكر تبارك وتعالى انه اختلط به نبات الأرض وهي عبارة سريعة كما يقولون " تلغرافيه " وبعدما اختلط بنبات الأرض ، اصبح ازهارا ورداً ، ثم عشبا مما يأكل منه الناس والانعام ، وبعد مدة من الزمان لا يبقى على حاله وانما يبدأ في الذبول ، دورة حياة ، يصير يابساً ، ثم يصفر ، ويصبح هشيماً تذروه الرياح ، هذا المرج الذي كان يضج بالحركة ، والحياة ، والثمار ، والرواء ، اذا به يصبح اعشاب يابسه ، لا تُمسك بالأرض وانما الريح تذروها معها ، تلك الريح التي تعتبر شيئاً بسيطاً لكنها تحمل معها هذا الهشيم ، هكذا مثل الحياة الدنيا ، دورة ، انتعاش ، نمو ، اثمار ، ثم يصبح هشيما ، هذا الهشيم
تذروه الرياح ، والله مقتدر على تكرار هذا الامر واعادته مرة بعد مره ، فاذا كان الامر هكذا ، والحياة الدنيا بهذه الصورة ، أفمن العقل للإنسان ، افمن الوعي للإنسان ان يجعل استثماره في شيء سيصبح هشيما تذروه الرياح ؟ أمن العقل ان يتعامل معه على انها دار القرار ؟ واكثر من ذلك ، يأتي القران الكريم في مكان اخر ويقول رب العزة تبارك وتعالى " وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ " ما هو سبيل الرشاد ؟ يقول ، عندي فكرة تنتهي بكم الى عمل راشد ، ماهي ؟ " يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ " مثل ما هناك اختلط به نبات الأرض فاستمتع الانسان بمنظره الجميل ،
واستمتع بفاكهته ، واستمتع بأكله ، واطعم منه دابته وحيوانه ، لكن انتهى الامر ، هو متاع فقط ، وان الاخرة لهي دار القرار ، وهذه كلمة متاع تكررت بالنسبة الى الحياة الدنيا كثيراً في القران الكريم ، بل ووصفت الحياة الدنيا " وما متاع الحياة الدنيا في الاخرة الا قليل " واساس كلمة المتاع فاللغة العربية تدل على شيئين : الأول ، انها ذات فترة قصيرة ، والثاني ، انها تغطي جانباً من جوانب حياة الانسان ، مثلا ، انت تستمتع بالثوب الجديد ، لكن الاستمتاع بالثوب الجديد لا يشبعك في نهار الصوم ، نعم انه يُقيك من الحر والبرد ، لكن ان يتحول الى طعام فلا ، يكفيك في جهة ولا يكفيك في سائر الجهات ، الاكل الذي
تأكله وتستمتع به ، نفس الكلام ، يُغنيك ويُشبع بدنك ، لكن هل يكسوك ؟ وهل يُغطيك عن الشمس والبرد ؟ كلا ، ليس هذا بعمله ، فهذا متاع في جانب واحد فقط ، والامر الثاني انه لقترة مؤقته ، مثلا ، زواج المتعة ماهو ؟ لفترة مؤقته ، فكل المتع في الحياة مؤقته ولولا انها مؤقته لم تكن متعة ، فمثلا تصور لو أن انسان يجلس على الطعام نهار كامل يأكل ، فهل يستمتع بهذا الاكل ؟ لا ، قيمة الطعام والمتعة فيه والتلذذ به ان يأكل بمقدار لوقت قليل ، وينصرف ، فجوع ، فيشتاق اليه ، فلو فرضنا ان هذا الانسان على طول الوقت يأكل ، فهو لن يستمتع بهذا الطعام ، إنما وسيسأمه ، فالمتعه ماخوذ
منها الانفصال ، الانصراف ، الابتعاد عن مصدر اللذة والمتعة ، فالحياة الدنيا هي متاع ، انما تكفيك في بعض الأمور دون بعض ، وأيضاً متعتها في انها قليلة ، ضئيلة ، محدودة ، لكن الاخرة هي دار القرار ، " يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ " ترى هذه الحياة الدنيا متاع ، دار القرار ، دار البقاء هي تلك الدار ، هذا المعني القران الكريم كثيرا يركز عليه ، في بعض الأحيان يقول " أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ " وهذه كلها تنقضي ، وانما هي مراحل كما يذكر المفسرون ، فاللهو غير فترة اللعب فهذه مرحلة زمنية ، وتلك مرحلة زمنية أخرى ، فاللعب فترته غير فترة التفاخر ، وفترة